الكتاب المقدس

سنة الإبراء

كان ناحوم الشيخ يجلس في ظلّ سدرته الوارفة، عيناه الشاختان تتأملان حقّ القمح الذي يحمرّ تحت حجارة الشمس الأخيرة. كانت ريحٌ خفيفة تحمل عبير التراب المبلول بعد سقياٍ نادرة، وتحرّك أطراف عباءته البالية التي لم تُبدّل منذ سنين. لم يكن ثمن القمح مرتفعاً هذا العام، والحمد لله، لكن شيئاً في نفس ناحوم كان ثقيلاً، كحجر طحنٍ علق في أحشائه.

تذكّر كلام موسى، ذلك الكلام الذي سمعه من فم يشوع نفسه وهو فتى: “في نهاية كل سبع سنين تعمل إبراء”. سبع سنين. ها هي قد أتت. كانت الديون على جيرانه من الفلاحين الصغار تتراكم كالغمام الأسود قبل المطر. ذلك الفتى، حزقيال، الذي اقترض ليزوّج أخته بعد موت أبيهما. وتلك الأرملة، سعيدة، التي رهنت سوارها الوحيد، ذكرى زوجها، لتشتري دواءً لولدها الوحيد. ناحوم لم يكن قاسياً، بل بالعكس، كان يعدّ نفسه رحيماً بين القوم. لكن إبراء كل دين؟ هذا يعني أن يأخذ من كيسه الخاص، من مدّخرات السنين العجاف، ليمحو ما للآخرين عليه. ليست مسألة فضلة عنده، فالأولاد كبروا وتزوجوا، والحاجة تطرق بابه هو أيضاً في الليالي الباردة.

نهض متوكئاً على عصاه، وسار نحو بيت المال، تلك الغرفة الصغيرة الملحقة بداره. فتح الباب الخشبي الثقيل الذي صرّ صريراً مألوفاً. رائحة التراب والقمح المخزون تفوح في المكان. على الرفّ، تحت نافذة صغيرة، كان صندوق السندات: قصاصات من جلد ماعز، عليها كتابة بالحبر الداكن، بأسماء وأرقام وتواريخ. مدّ يده المرتعشة وأخرجها واحدة تلو الأخرى. أسماء كأنها نار تلسع قلبه. هذا دين، وهذا رهن، وهذا وعد بيع. كلمات موسى تعود إلى ذهنه: “لا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل افتح يدك له وأقرضه ما يحتاجه”.

ناحوم كان يعرف النصّ عن ظهر قلب. كان يعرف أيضاً ما جاء بعده: “احترز من أن يكون في قلبك كلمة بلية قائلاً: قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء، فتضيق عينك عن أخيك الفقير ولا تعطيه شيئاً”. هل كانت عينه قد ضاقت؟ لم يعطِ فقيراً من ماله قط، بل أقرض. لكن القرض، في زمن الجدب، أليس هو العطاء؟ ألم يكن هو من دفع ثمن طبيبٍ لحزقيال عندما مرض؟ ألم يترك للعجوز ماتيَّا أن يأخذ من التين على الحائط كلما جاع؟

لكن الكلام واضح: إبراء. محو. كأن لم يكن. النفس البشرية تتعلّق بالحساب، بالأخذ والعطاء، بالذاكرة التي تحفظ للجميل ولكينونته. أن تمحو ديناً، فهذا كأن تقول للذكرى: لا مكان لك هنا. هذا صعب. هذا يحتاج إلى قلبٍ آخر، قلبٌ لا تربطه شروط العالم بأسره.

سمع صوت خطى خفيفة على التراب خارج الباب. كانت سعيدة الأرملة، واقفة بحياء، عيناها على الأرض. “سلامٌ عليك يا ناحوم”، قالت بصوتٍ بالكاد يُسمع. “السلام عليك يا سعيدة”، ردّ وهو يبتسم ابتسامةً حاول أن يجعلها دافئة. “أتيت لأقول… السوار… أعرف أن السنة السابعة…”. توقفت، وكأن الكلمات تخنقها. ناحوم نظر إليها، إلى يديها المتشبثتين بحافّة ثوبها البسيط، إلى البياض الذي غزا شعرها المبكر. تذكر ابنها، ذلك الصبي النحيل الذي كان يلعب مع أحفاده قبل أن يمرض.

“السوار لك يا سعيدة”، قال فجأة، قبل أن يفكّر. “الدين مُبرأ. خذي سندك”. مدّ يده إلى الصندوق، وانتزع قصاصة الجلد الخاصة بها. لم يمزقها، بل سلمها إياها. “هو لك. افعلي به ما شئت”. دموع صامتة سالت على وجنتي المرأة، لم تنطق بكلمة، فقط أومأت برأسها وانصرفت، والقصاصة في يدها ككنزٍ ثمين.

بقي ناحوم واقفاً في مكانه. لم يشعر بخسارة، بل بشيءٍ غريب، كأن ثقلاً رُفع. أخذ قصاصة جلد أخرى، لحزقيال. ثم أخرى، وأخرى. كل واحدة كانت ذكرى، كانت قصة، كانت رباطاً بينه وبين إنسان. والآن يقطعها. لكن في القطع، في هذا العتق الغريب للذاكرة وللمال، شعر بحرية لم يعرفها من قبل. كأنه كان يحمل أكياساً من الحجارة على ظهره، وهو يظنها كنوزاً.

خرج إلى الساحة حيث كانت الشمس قد غربت، تاركة خلفها حمرةً في الأفق كلهبة هادئة. تذكر بقية الكلام: “لأن الفقير لا يعدم من الأرض، لذلك أنا أوصيك قائلاً: افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك”. الفقير لا يعدم. الديون تُعفى، لكن الحاجة تبقى. والعطاء يجب أن يستمر، ليس كدين، بل كجسر بين قلبين، كسقياٍ من نبع لا ينضب.

في الصباح التالي، جمع جيرانه. لم يخطب خطبة، بل تحدث كما يتحدث الجدّ لأحفاده. قال إنه سيبرئ الديون، كما أمر الرب. رأى الدهشة في عيون البعض، والارتياح في عيون آخرين، والشك في عيون قلة. ثم أضاف، وكأن الفكرة جاءته في تلك اللحظة: “ولكن من يحتاج قرضاً جديداً، فليأت. ليس هذا من فضلي، بل من فضل الذي أعطاني”. كان يفهم الآن. سنة الإبراء ليست نهاية، بل بداية. ليست خسارة، بل فسحة للرحمة لتتنفس. هي تذكير بأن الأرض والغلة والخير، كلها عارية من عند الرب، ولا ينبغي أن تُحَوَّل إلى قيود تُستعبد بها النفوس.

ومشى عائداً إلى سدرته، وقد خفّ ظهره، ليس لأن الديون زالت من صحيفته، بل لأن شيئاً في قلبه قد زال معها. ربما كان الخوف. خوف الفقر، خوف العوز، خوف أن يذهب ما جمع. والآن، وهو يرى وجوه جيرانه تشرق بالامتنان وبالأمل، علم أن الكنز الحقيقي ليس في صندوق الجلود، بل في هذا السلام الغريب الذي حلّ في قلبه، كندى الصباح على أرضٍ قاحلة، لا يملكه أحد، ولكنه يروي الجميع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *