كان الجوّ في أورشليم وقت العصر حاراً، لكن نسمة خفيفة كانت تتسلل بين أعمدة القصر، حاملةً عبقَ زهور الياسمين المتسلقة. سليمان بن داود جلس في حجرته المطلّة على المدينة، وبين يديه لفائف من ورق البردي المصري الناعم. لم تكن رسائل عادية تلك التي يقلّبها؛ بل كانت كلمات منقوشة بعناية، تحمل رائحة البحر البعيد. رسائل من حيرام، ملك صُور، صديق داود أبيه.
تذكّر سليمان كلمات أبيه وهو على فراش الموت، وصيته التي كانت كالنار في قلبه: “يا بُني، الربّ أراد أن يكون البيت لاسمه، لكن دماء كثيرة لَصَقت يديّ. سيكون البناء على يديك أنت، يا رجل السلام والراحة.” الآن، بعد سنوات من الحكمة والعدل التي منحه إياها الرب، وبعد أن استقرّت مملكته من النهر إلى حدود فلسطين، شعر أن الوقت قد حان. الوقت لبناء بيت للرب إله إسرائيل.
رفع قلمه، وأخذ يحبر ردّه على حيرام. لم يكتب بلغة ملكٍ إلى ملكٍ فحسب، بل بلغة ابنٍ لصديق أبيه. شكرَه أولاً على مراسلته الطيبة، ثم شرح قصده. كتب عن عهد الرب مع داود، وكيف أن هذا البيت لن يكون قصراً لمجد بشري، بل مسكناً لاسم الرب العظيم. طلب العون: “أنت تعرف أن لا أحد بيننا يحسن قطع الأخشاب مثل الصيدونيين. فأرسل إليّ أخشاب أرز من لبنان، وأخشاب سرو. وها أنا أرسل إليك عبيدي مع عبيدك، وأعطيك أجر عبيدك حسب كل ما تقول.”
أرسل الرسل باللفائف، وعبروا الجبال إلى الساحل. وفي أورشليم، بدأ سليمان يستعدّ. أصدر أمراً بتجنيد ثلاثين ألفاً من الرجال من جميع أسباط إسرائيل. ولكنّ قلبه الذي عُرف بالحكمة والرأفة، وضع ترتيباً غريباً في نظر بعض قادة الجيش: “لا يذهب الجميع معاً، ولا يكونون عبئاً على بيوتهم أو أرضهم. عشرة آلاف يذهبون إلى لبنان شهراً، ثم يعودون إلى بيوتهم شهرَين.” هكذا تضمن أن لا يُرهق الشعب، وأن تستمر الحياة في الحقول والكروم.
وسار الرجال إلى الجبال. يمكن للمرء أن يتخيل المشهد: صفوف طويلة من العمال تحمل الفؤوس والمناشير، تصعد التلال الوعرة نحو الغابات الشمالية. كان خشب الأرز هناك أسطورياً: مستقيم الشكل، قويّ الرائحة، يقاوم السوس والفساد. وفي الساحل، كان حيرام قد استقبل رسل سليمان بفرح. قال لهم: “مبارك الرب اليوم، الذي أعطى داود ابناً حكيماً على هذا الشعب الكثير.” ووفى بوعده. أرسل حِراريّيه، أبناء البحر الفينيقيين الأشداء، لقطع الأشجار ونقلها.
كان المشهد في غابات لبنان مهيباً. صرير المناشير الكبيرة يقطع سكون الغابة، وصياح الرجال يتناغم مع خرير الينابيع. الأشجار العملاقة، التي ظلت شامخة قروناً، تسقط بصوت يشبه الرعد. ثم يبدأ العمل الشاق: تقطيع الجذوع، وسحبها إلى الساحل. هناك، ربطوها بحبال متينة صنعها صُنّاع من يهوذا، وجمعوها في طوافات ضخمة. كانت الطوافات، وهي تطفو على مياه البحر الأبيض المتوسط الزرقاء، تبدو كجزر صغيرة متحركة، تتحرك جنوباً نحو يافا.
وفي يافا، حيث رائحة الملح تختلط برائحة القار الذي يصلح السفن، استقبل عمال سليمان الحمولة. كان النقل البري إلى أورشليم، المدينة الجبلية، تحدياً آخر. اخترعوا مراكب خشبية ضخمة ذات عجلات، تجرها الثيران بالأعداد، وتتسلّق الممرات الجبلية ببطء وصبر. كان دويّ العجلات الخشبية وهي تئنّ تحت الثقل يملأ الوديان. كان كل جذع شجرة، بدرجاته اللونية من البني الفاتح إلى الأحمر الغامق، يمثّل تعاوناً عظيماً بين شعوب ومهارات مختلفة: حكمة سليمان، خبرة الفينيقيين، وقوة وعزيمة رجال إسرائيل.
وفي سهل موريّ، حيث كان داود قد اشترى بيدر أرنان اليبوسي ليبنى عليه مذبحاً، بدأت الأرض تُهيأ. كان الحجارة تُقطع من المحاجر القريبة. أمر سليمان أن تُقطع الحجارة في المكان نفسه، بعيداً عن موقع البناء. “لا يُسمع في البيت، عند بنائه، صوت مطرقة ولا فأس ولا أي أداة من حديد”، كما أوصى. فكان العمال ينحتون الحجارة الضخمة بدقة متناهية، بحيث تتناسب مع بعضها دون حاجة إلى تعديل في مكانها. كانت الحجارة البيضاء الضخمة تُنقل وتسوّى، كأنها قطع لغز إلهي عظيم.
على مدى شهور، تحوّل سهل موريّ إلى مشهد من النشاط المقدّس الهادئ. غبار الحجر الأبيض يعلو في الهواء، مخلوطاً برائحة خشب الأرز الذي بدأ يتراكم في أكوام منتظمة. كان سليمان نفسه يأتي بين الحين والآخر، يقف على أرض المرتفعة وينظر إلى العمل. لم يكن يرى مجرد حجارة وأخشاب، بل كان يرى صلاة أبيه، ووعود الرب، وحلم أمة. كان يسمع في داخله صوتاً يقول له إن هذا البيت لن يكون مجرد بناء، بل سيكون قلباً للعالم، نقطة التقاء الأرض بالسماء.
وهكذا، بتدبير إلهي وتعاون بشري، وبحكمة ملك وبركة صديق، أخذ بيت الرب، بيت اسمه، يتهيأ لأن يخرج من عالم الفكرة إلى عالم الحجر والخشب والذهب. كل جذع أرز، كل حجر مربع، كان حرفاً في قصة عهد، وكلمة في صلاة صامتة ترفع من قلب الجبال نحو السموات.




