فوق الرمال الذهبية التي تشتعل تحت شمس متوحشة، جلس الرجال تحت بقايا شجرة سمراء يابسة، كأنها هيكل محترق يراقب العالم بفروع متشابكة. كان الهواء ثقيلاً برائحة التراب المحروق واليأس. زفير النعماتي، الذي صمت طويلاً كأنما يجمع حطب غضبه، خرج صوته فجأة كصوت حجر يتدحرج في واد ساكن.
“لا، أيوب. لا تحملني صبرك هذا على ما لا طاقة لي به. أنصت إليّ، فالحكمة التي سأقولها ليست من صنع تفاحي، بل هي تراث الآباء، نقية كندى الفجر على صخور جبالنا.”
رفع عينيه نحو الأفق حيث كانت السهول تذوب في وهج الضحى. كانت شفتاه جافتين، لكن كلماته تدفقت كسيل جبلي عكر.
“هل تعرف سر الفرح الخاطئ؟ إنه كالرغوة على سطح اللبن، تلمع لحظة ثم تختفي. كصوت الطبل في وادٍ مقفر، يتردد ثم يبتلعه الصمت. ذلك الرجل الذي يمد يده إلى الظلم، والذي يظن أن الثروة سترفع بيته إلى عنان السماء… أقول لك: فرحه قصير كزفرة، وبهجته زائلة كخيال ظهيرة.”
سكت قليلاً، وكأنه يستجمع صوراً من ذاكرته البعيدة. حلقت نسران عالياً في الأعلى، كدوائر سوداء في زرقة قاسية.
“رأيت بعيني أبي، ورأي أبي بعين جدي: الشرير قد يرتفع كالسعفة، وقد تورق أغصانه في الربيع. يبدو للناس كأن جذوره تشققت في أعماق الأرض. ولكن… اذهب إلى مكانه في الغد. انظر! لا عين تراه، ولا أثر يذكر. كأنما ابتلعته الأرض التي خدعها بجشعه.”
اهتزت أغصان الشجرة اليابسة تحت هبة ريح حارة، كتنهد ساخن. تابع زفير وصوته يخفت أحياناً ويرتفع أحياناً، كموجات حرارة تتلاعب بها التلال:
“طعم الظلم في فمه كان حلواً كعسل البرية. كان يذوبه تحت لسانه، يرشف لذته ببطء. لكن هذه الحلاوة في جوفه تتحول إلى مرارة الحنظل. إلى سماً يلتهم أحشاءه. إلى صفراء تثور في أمعائه. ما جمعه بجشعه، لن يبتلعه. ما نهبه من الأرامل، سيتقيأه قسراً، ولن يعود إليه.”
راح يعدّد الصور بتتابع سردي بعيد عن التنظيم الجامد، كرجل يروي حكايات سمعها على مواقد النار في ليالي الشتاء:
“كان يسحق الفقراء ويرميهم جانباً، كأنهم حجارة في طريقه. بنى بيوتاً من حجارة منقوشة، ونسي أن العدل هو الأساس الوحيد. ملأ خزائنه حتى تفيض، لكن جوعه الداخلي ظل كالثقب في القربة. اتسعت نفسه، ولكن كاتساع القبر.”
رفع إصبعه متوجهاً نحو السماء، حيث بدأت سحب بيضاء رقيقة تتجمع في الأقصى.
“السماء التي في علوها ستكشف إثمه، والأرض التي تحت قدميه ستقف ضده. سيذهب ثروته مع الريح، كما تذهب القشور عند درس الحنطة. في ظلمة الليل، سيسرق منه حتى ما تحت وسادته. نار لم يشعلها بيديه ستلتهم ما تبقى، وتترك أولاده يطلبون الخبز من الأبواب التي أغلقها أبيهم.”
كانت عينا زفير تلمعان بتعبد غريب، كأنه يرى النبوة تتجسد أمامه في وهج الصحراء.
“سيُكشف عريه كما تُكشف الأغصان في الشتاء. كربيع يمر على أرض ملعونة، تنبت للحظة ثم تحترق. هي دورة لا تحابي أحداً: من تراب جاء، والتراب سيأكله. من ظلمة الرحم خرج، وإلى ظلمة القبر يعود. سيرى وجهه في ماء الآبار فيذوب كظل، ولن تذكر اسمه الأجيال.”
توقف. لم يكن الصمت الذي تلاه صمت نهاية، بل كان صمت حجر ألقي في بركة. حتى حشرجة الريح في الأغصان اليابسة توقفت. ثم همس، وكأنه يخاطب شبحاً يقف بينهم:
“هذه هي حصة الشرير من الله، والميراث الذي قضاه له العلي. ليس حكمة من عندي، بل قانون الشمس التي تشرق على الصالح والطالح، والقمر الذي يشهد على دورة لا ترحم. الرجاء الكاذب ينتهي حيث يبدأ ظل الجبل الطويل.”
أدار وجهه بعيداً، نحو الصحراء الممتدة. كأنه لم يعد يرى الرجال الجالسين حوله، بل كان يرى مسرحاً أوسع، حيث تتساقط الأقنعة وتنهار القصور الرملية تحت وطأة ريح واحدة. وشيء من حزن خفي، كظل سحابة عابرة، مر على محياه.




