الكتاب المقدس

صرخة المظلوم في قرية الظلم

كان ظهيرة حارقة، والغبار الأصفر يعلو فوق الأحياء الضيقة. كان عوفير جالساً على عتبة بيته الطيني، يحدق في شارع القرية الفارغ، لكن قلبه كان يصرخ في ساحة أوسع. كانت نفس الصرخة التي انطلقت من ذات قديمة، محفورة في سفر المزامير: “لِمَاذَا يَقِفُ الرَّبُّ بَعِيداً؟ يَتَغَابَى فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟”. لم يكن عوفير متعلماً كالكتبة، لكن جرح الظلم كان يقرأ فيه نصوصاً أعمق من الحبر.

من الناحية الأخرى من القرية، حيث المنازل أوسع والنخيل أكثر اخضراراً، كان نمّام بن عزريا يعدّ خططه. كان رجلاً تعلو بطنه حزامه، وتتسع مسافة بين كلماته ونيّاته. كان يرى في ضعف جاره فرصة، وفي سكوت الفقير ترخيصاً. كان يردد في نفسه، كما ردد الشرير منذ زمن: “لَنْ أَتَزَعْزَعَ. مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ لَنْ أَكُونَ فِي شَقَاءٍ”. كان فمه ملآنً لعنةً وخداعاً وغشاً، وتحّت لسانه خبثٌ وإثم.

تذكر عوفير كيف بدأ الأمر ببئر ماء. بئر ورثه عن أبيه، وكانت مياهه عذبة قليلة العمق. ثم جاء نمّام بمخطوطات مزورة وبشهود من أهل السوق، مدعياً أن الحجر الفاصل بين الأرضين قد زُحزح. القاضي، وهو ابن خال نمّام، أصدر حكماً سريعاً. وهكذا ضاع البئر. لم يكن هذا كل شيء. بل بدأت سلسلة من المصائب الصغيرة التي تشبه نقر الغربان: حملة من أغنامه وجدت ميتة عند السور، ثم ابنته الصغرى رجمت بحجارة من أولاد الحي وهم يرددون أسماء قبيحة علمهم إياها أولاد نمّام.

كان عوفير يشعر بالشر ككائن حي يتنفس. كان يراه في عيون نمّام الضيقتين اللتين تبرقان من شباك علّيته وهو يراقب القرية كملك على أكمة. كان يراه في طريقة مشيته المتهدلة المتكبرة في السوق، حيث يبتاع أفضل البضائع ولا يدفع كامل الثمن، وصوته الهادئ المزفن الذي يخفي تهديداً. كان الشر لا يقف عند الفعل، بل كان في اليقين الذي يملكه الظالم. كان يظن أن الله قد نسيه. “قَدْ قَالَ فِي قَلْبِهِ: قَدْ نَسِيَ اللهُ. حَجَبَ وَجْهَهُ. لاَ يَرَى إِلَى الأَبَدِ”.

في الليالي الطويلة، حين كانت زوجته تبكي بصمت وأولاده ينامون جوعى، كان عوفير يخرج إلى السطح. كان يحدق في النجوم الكثيفة فوق الصحراء، ويحدث ربه. لم تكن صلواته مرتبة كصلوات الكنيس. كانت شكاوى ممزوجة بدموع، واستغاثات مختنقة بالغبار. كان يسأل: “لماذا تترك الشرير يطارد المسكين؟ لماذا يبارك الماكر وهو يفتن الضعيف ليقع في حبائله؟”. كان يتذكر صورة نمّام وهو يتنمر على الأرملة شفّرة عند بائع الحبوب، ويختلس لها مقادير طحينها. كان فمه كقبر مفتوح، ولسانه يلهث بالملق.

لكن في عمق هذا اليأس، كانت تلوح ذاكرة خافتة. ذاكرة أبيه العجوز وهو يهمس له قبل موته، بنص من التوراة لم يحفظه عوفير كله، لكن روحه علقت فيه: “إِنَّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى التَّعَبِ وَالأَسَى لِتَأْخُذَهُ إِلَى يَدِكَ”. كانت الفكرة بعيدة، كخيط نور في نفق طويل. هل من معنى؟ هل الله يرى حقاً؟

ذات يوم، بينما كان عوفير يعود من الحقل بيدين خاليتين، إذ بنمّام يقف في طريقه، محاطاً باثنين من أعوانه. كانت ابتسامته باردة كشفرة سكين. “سمعت أنك تبحث عن عمل، يا عوفير. عندي عمل لك. سقاية حيواني في الحظيرة الجديدة. أجرة يومية… قمح يكفي لخبز رغيف واحد”. كان الإذلال كامناً في العَرْض. القبول يعني الرضوخ النهائي. الرفع يعني الجوع لأطفاله. لم يقل عوفير كلمة. نظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه فجأة ونظر مباشرة في عيني نمّام. لم تكن نظرة تحدّ، بل كانت نظرة رجل اكتشف فجأة أن خصمه أصغر مما تظن. هز رأسه بهدوء، ودار ومشى.

في تلك اللحظة، حدث شيء غريب. لم يضربه نمّام، لم يصرخ وراءه. فقط صمت ثقيل. وكأن شرّه، الذي كان ينتفخ كبالون، وجد دبوساً.

بدأ التغيير بطيئاً، غير منظور كتآكل الحجر بالماء. جاءت رياح قوية من الشمال، غير متوقعة، فهدمت سقف المخزن الكبير الذي بناه نمّام حديثاً على أرض متنازع عليها. ثم مرض ابنه الوحيد بحمّى غامضة، وأمضى الأطباء أياماً دون تشخيص. لم تكن هذه عقوبات سماوية درامية، بل كانت أشبه بتصدعات في جدار وهم القوة الذي بناه حول نفسه.

وبينما كان نمّام منشغلاً بمصائبه، بدأ أهل القرية، الذين كان الخوف قد شتتهم، يتناقلون همسات الشجاعة. تحدثت الأرملة شفّرة علناً عن سرقة طحينها. قدم راع فقير شهادة عن أغنام سمها أحد خدم نمّام. لم يعد العزل تاماً. لم يعد الصمت مطلقاً.

وفي ليلة من الليالي، بينما كان عوفير يصلي على السطح، جاءته الكلمات القديمة كما لو كانت تنساب من ينبوع نسي منذ زمن: “قَدْ سَمِعْتَ رَجَاءَ الْوَدَعَاءِ يَا رَبُّ. تُثَبِّتُ قَلْبَهُمْ. تُصْغِي أُذُنُكَ”. لم يكن شعوراً بالنصر، بل كان شعوراً بحضور. كأن يداً كبيرة دافئة قد وضعت على كتفه المرتجف من البرد الليلي. فهم في تلك اللحظة أن صراخه لم يكن ضائعاً في الفراغ. أن الدموع محصية. أن الظلم، وإن طال، فإنه يبني من داخله أسباب سقوطه.

لم ينتقم عوفير. لم يصبح غنياً. لكن البئر عاد إليه بحكم من قاض جديد، بعد أن اعترف أحد شهود نمّام الزور بالحقيقة تحت وطأة ضمير أرقّه. وعادت إليه كرامته، تلك التي لا يشتريها الخبز.

أما نمّام، فما زال في القرية، لكن شوكته انكسرت. صار يمشي وحيداً، وعيناه لا تريان إلا الأرض. كأنما القول القديم قد تحقق: “قَدْ كُسِرَتْ سَاعِدُ الشِّرِّيرِ. أَمَّا الرَّبُّ فَمَلِكٌ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ”.

والقرية تعلمت درساً: أن صلاة المظلوم، تلك الهمسة المختنقة بالتراب، هي أقوى من كل قصور الظالمة. لأن الرب ليس بعيداً. هو يرى. وهو، في وقت لا يعلمه إلا هو، يمد يده.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *