الكتاب المقدس

ترنيمة الفجر الخالدة

قبل الفجر بوقت طويل، كانت سلمى تستيقظ. لم يكن ذلك بسبب عادة صارمة، بل لأن النوم كان يهرب منها كالماء بين الأصابع في هذه الأيام. كان الصمت في غرفتها الصغيرة يبدو ثقيلاً، يحمل أصداء ستين عاماً من الذكريات. نهضت ببطء، متحسسة برد حجر الأرضية تحت قدميها العاريتين. تقدمت نحو النافذة الضيقة، ودفعت مصراعها الخشبي الذي تسبب مرور الزمن في جعله يئن بشكوى خفيفة.

كانت السماء لا تزال لون الرماد، تتخللها خيوط وردية خجولة فوق أسطح بيوت القرية. أخذت تنفساً عميقاً، هواء الجبل النقي الذي لم يتغير رغم كل ما تغير حولها. عادت بذاكرتها إلى الليل الماضي، إلى تلك اللحظة التي استيقظت فيها وفمها يردد كلمات كانت قد تعلمتها في طفولتها: “أحمدك من كل قلبي، قدام الآلهة أرنم لك.”

لم تكن تعرف لماذا عادت هذه الكلمات بالذات الآن. ربما كان ذلك الحلم الغريب عن أبيها، يرتدي ثوبه الأبيض ويقرأ من مخطوطة مهترئة. أو ربما كان ذلك الشعور بالوحدة الذي يخترق عظامها في الساعات الصغيرة، كسكين بارد. أدارت ظهرها للنافذة وأشعلت فتيلة المصباح الزيتي. ارتعش الضوء الأصفر، ثم استقر، ملقياً ظلالاً راقصة على جدران الغرفة المطلية بالجير الأبيض.

جلست على كرسيها ذي الظهر العالي، وأخذت المخطوطة الصغيرة من رف فوق الموقد. كان غلافها من جلد غنم متقادم، والحبر على صفحاتها الداخلية قد بهت في أماكن عديدة. كانت هذه المخطوطة إرث العائلة الوحيد الذي بقي لها. فتحتها بيدين مرتعشتين، وأصابعها تتبع السطور المكتوبة بخط يد جديها. قرأت بصوت خافت، وكأنها تخشى إزعاج السكون المحيط بها:

“أحمدك من كل قلبي. قدام الآلهة أرنم لك. أسجد نحو هيكل قدسك، وأحمد اسمك، على رحمتك وحقك. لأنك عظمت قولك فوق كل اسمك.”

توقفت. “قدام الآلهة”. دائماً ما كانت هذه العبارة تثير تفكيرها. في قريتها الجبلية، حيث لا يزال الكبار يتحدثون عن آلهة الجبال والأمطار والخصوبة، ماذا يعني أن تسبح إله السماء والأرض أمام هؤلاء؟ لم يكن ذلك تحدياً بقدر ما كان اعترافاً. اعترافاً بأن رحمته وحقه هما اللذان يحكمان، وليس قوى أخرى. تذكرت كيف كان والدها، وهو رجل قوي البنية صلب الإيمان، يرفع صوته بالترانيم في الحقل، غير مبالٍ بنظرات الجيران الذين ما زالوا يقدمون القرابين الصغيرة تحت شجرة البلوط القديمة عند مدخل القرية.

خرجت إلى الحديقة الصغيرة مع أولى أشعة الشمس. كان نبات النعناع البري ينمو بغزارة عند حافة الجدار الحجري. انحنت لقطف بضعة أوراق، وشعرت بألم خفيف في ظهرها. “في يوم دعوتك فأجبتني، نشّختني، عظمت في نفسي قوة.” همست الكلمات. نعم، لقد دعته مراراً. في ليلة وفاة زوجها الياس، عندما جلس بجانبها وأمسك بيدها ولم ينطق بكلمة، ثم أغمض عينيه إلى الأبد. في اليوم الذي غادر فيه ابنها الوحيد إلى المدينة البعيدة بحثاً عن العمل، ولم يعد إلا نادراً. في كل مرة كانت فيها الضيقة تحيط بها كالضباب الكثيف، كانت تسمع صوته ليس في رعد، بل في ذلك السكون العميق الذي يلي العاصفة، في ذلك الطمأنينة الغريبة التي كانت تملأ قلبها المكسور.

عادت إلى الداخل لتحضير إفطارها البسيط: خبز شعير محمص على النار، وقليل من الجبنة البيضاء، وشاي النعناع. بينما كانت تشرب الشاي ساخناً، نظرت عبر الباب المفتوح إلى الجبال الشامخة التي تحيط بالقرية. “كل ملوك الأرض يحمدونك يا رب، لأنهم سمعوا أقوال فمك.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة. ملوك الأرض! هنا في هذه القرية النائية، حيث الحياة تدور حول مواسم الحصاد ومواسم المطر، بدت فكرة الملوك بعيدة كالنجوم. ولكن أليست أفواه الجميع، من أكبر ملك إلى أصفل راع، ستشهد يوماً ما بحقه؟ لقد سمعت هي أقوال فمه. في المخطوطة. في ترانيم الكنيسة الصغيرة. في صمت القلب الذي يتكلم أحياناً بأوضح العبارات.

قرعت الجرة الفخارية بخاتمها النحاسي. كان الصوت رناناً وواضحاً في هدوء الصباح. “يرنمون في طرق الرب، لأن مجد الرب عظيم.” الطرق. كانت طرق قرية سلمى وعرّة، مرصوفة بحجارة غير منتظمة، تتسلق المنحدرات وتنحدر في الأودية. كم مرة سارت في هذه الطرق حاملة أحمالها، مهمومة القلب، ثم وجدت فجأة سبباً للترنيم؟ ربما كان ذلك منظر زهرة برية صفراء تخترق صخرة رمادية. ربما كان صوت طفل يضحك في حقل بعيد. ربما كان مجرد تذكر أن الرب، برغم علوّه، ينظر إلى المتواضع.

بدأت تسمع أصوات القرية تستيقظ. صوت بغل يسحب عربة، مناجاة بين جارين، صياح دجاجة. نهضت لتغسل صحنها. الماء البارد من الجرن الحجري أنعش يديها. “وإن كنت في وسط الضيق تحييني. على غضب أعدائي تمد يدك فتخلصنيني. الرب يتمم لأجلي.”

“يتمم لأجلي.” وقفت وهذه الكلمات تتردد في رأسها. لم تكن حياتها سلسلة من الإنجازات العظيمة. كانت حياة بسيطة، مليئة بالعمل اليومي والألم الفطري والفرح العابر. ولكن في عمق روحها، ألم يكن هناك إحساس غريب بأن شيئاً ما يتمم؟ كأن نسيجاً خفياً كان يحيك ذكرياتها، خساراتها، لحظات الصلاة الخاطفة في الحقل، كل تلك التفاصيل الصغيرة، في لوحة أكبر لا تستطيع هي رؤيتها كاملة.

قرعت الجرة مرة أخرى، لكن هذه المرة كأنها تؤكد عهداً. “يا رب، رحمتك إلى الدهر. لا تترك عمل يديك.”

خرجت إلى الحقل الصغير خلف البيت حيث زرعت بعض الخضروات. الشمس الآن دافئة على وجهها المجعد. انحنت لتقلع بعض الأعشاب الضارة من حول نباتات الفجل. الأرض كانت رطبة تحت أصابعها. شعرت بأن الكلمات التي قرأتها في الصباح لم تعد مجرد حروف على صفحة قديمة. لقد أصبحت حية، ممزوجة برائحة التراب، بدفء الشمس، بذاكرة يدي زوجها وهي تغطي يديها الصغيرتين لتعلمها كيفية زرع البذور.

في تلك اللحظة، لم تكن سلمى عجوزاً وحيدة في قرية جبلية منسية. كانت إنساناً واقفاً أمام الخالق، ترفع ترنيمة شكر من قلب ممزق لكنه مملوء ثقة. وكانت تعرف، بعمق لا تستطيع الكلمات التعبير عنه، أن الرب الذي التقت به في صفحات المخطوطة القديمة، كان معها هنا في الحقل، وسيظل معها. إلى الدهر.

عادت إلى البيت عند الظهيرة، والسلام يملأ قلبها كالنهر الهادئ. وكانت تعرف أن الترنيمة ستستمر، حتى بعد أن تضع المخطوطة جانباً، وحتى بعد أن يخبو ضوء المصباح. لأنها كانت قد كتبت الآن، ليس على الورق، بل على لوح قلبها النابض.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *