كان الغروب ينسحب ببطء من فوق أسطح أورشليم، حاملاً معه وهج النهار الحارق تاركاً خلفه سماءً قرمزية كجرح غائر. في الأزقة الضيقة، كانت أصوات الباعة تختلط مع ضجيج الماشية المتجهة إلى الحظائر، ورائحة البخور من الهيكل تتعالى ثم تذوب في هواء المساء الثقيل. كان المدينة تتنفس، لكن نفسها كان ثقيلاً، كحمالٍ يعاني من حمى خبيثة.
في تلك الساعة الهادئة، حيث يتحول الضوء إلى ظل، كان صوتٌ يعلو من بين الأحجار القديمة. لم يكن صوتاً عادياً، بل كان كنداءٍ جاء من وراء الزمن، من فم الرجل الذي رأى، من إشعياء بن آموص.
“اسمعوا أيها السماوات، وأصغي يا أرض”، بدأ الصوت، لا بصرخة عظيمة، بل بنبرة حزنٍ عميق، كأبٍ أنهكه التمرد. “ربيت بنين ونشأتهم، لكنهم تمردوا عليّ. الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم.”
كانت الكلمات تهبط على المدينة النائمة وكقطرات ماءٍ على سطح حجري حارق. تذكرت الحجارة العتيقة أياماً أخرى، أياماً كانت فيها خطوات الله مألوفة بين الأزقة، وكان صوته يُسمع في همس الريح بين أشجار الزيتون. أما الآن، فالمدينة التي كانت عروس الرب صارت كامرأة ساقطة، منهوكة تحت ثقل ذهبها وفضتها، مشلولة بخطاياها.
“ويْل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم، نسل فاعلي الشر، بنون مفسدون”، استمر الصوت، وكأنه يعدّد جراحاً لا تُحصى. “تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء.”
كان الهيكل لا يزال قائماً في الأعلى، شامخاً ببياض حجارته التي تلتقط آخر أشعة الشمس. من بعيد، بدا كقلب نابض للعالم. ولكن الصوت كان يصف شيئاً مختلفاً: “لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ يقول الرب. سئمت محرقات كباشٍ وشحم مسمنات. دم بقرٍ وخرفانٍ ومعزٍ لا أريده.”
كانت الصور تتداعى في الهواء: كهنة مشغولون بطقوس فارغة، أيدٍ ترفع بخوراً بينما القلوب مثقلة بالظلم، أصوات ترتل تسبحة بينما آهات المساكين تملأ الساحات. العبادة صارت عادة، والقدس صار تجارة.
“غسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني. كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير. اطلبوا الحق. انصفوا اليتيم. حاموا عن الأرملة.”
كانت الكلمات الآن تتحول من حكم إلى دعوة، من دينونة إلى رجاء. كصوت طبيب قديم يقدم دواءً مراً لكنه الشفاء الوحيد. المدينة المريضة يمكن أن تتعافى، لكن عليها أولاً أن تعترف بالداء.
“هلم نتحاجج، يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف.”
بدأ الظلام يكتمل، وأولى النجوم تظهر كدموع على جبين الليل. في البيوت، أشعلت المصابيح. في القصر، استعد الملك لعشاء ملكي. في الأحياء الفقيرة، جُمع الأطفال حول بقايا خبز. وكانت الكلمات الأخيرة تهبط كندى قبل الفجر:
“إن شئتم وسمعتم، فخير الأرض تأكلون. وإن أبيتم وتمردتم، فالسيف تأكلكم. لأن فم الرب تكلم.”
سكت الصوت. ولكن صداه بقي معلقاً في الهواء البارد، كرائحة المطر قبل أن ينزل. في السماء، كانت نجوم كثيرة تلمع كذرات فضة على رداء أسود. وفي الأسفل، استمرت المدينة في تنفسها الثقيل، غير عابئة، أو ربما غير قادرة على السماع. لكن الحجارة، الحجارة القديمة التي سمعت كل شيء، بدت وكأنها تحتفظ بالصوت في مسامها، تنتظر اليوم الذي ستفهم فيه المدينة أخيراً معنى كلمات أبيها الذي في السماوات.
وفي أقصى الشرق، خلف الجبال، بدأ خيط رفيع من الضوء الأبيض يظهر. الفجر قادم. ودائماً، مع الفجر، تأتي فرصة جديدة.




