الكتاب المقدس

حصن القلب في ظل جيوش أشور

كان الضباب يتسلل فوق أسوار أورشليم مع الفجر، حاملاً في ثناياه رائحة الرماد والتراب البعيد. وقف حزقيا على الشرفة، تلتف عليه برودة الصخر، وتحدق عيناه في الأفق الشرقي حيث تلألأت آخر نجوم الليل. لم يكن ينتظر نجمة. كان ينتظر نهاية. كانت جيوش أشور قد أحرقت المدن، وملأت الأودية غباراً، وها هي الآن كالعاصفة القادمة لا محالة، تحمل صرخاتها وحديدها إلى المدينة المقدسة.

في الداخل، بين الأروقة المظلمة للقصر، سمع حزقيا همسات رجاله. بعضهم يتكلم عن الاستسلام، وآخرون عن التحصينات، لكن الكلمات كلها كانت جوفاء كأجراس مكسورة. كان الخوف كرائحة العرق النتن، تملأ المكان. توجه إلى غرفته الخاصة، حيث كان درج من خشر السنديان يحتفظ بدرج للنبؤات. أخرج لفافة إشعياء بيد مرتعشة. لم يكن بحاجة لقراءتها؛ فقد حفظ كلمات النبي عن ظهر قلب، لكنه أراد أن يلمس الجلد، أن يشعر بأن كلمات الرب ملموسة، حاضرة.

“وَيلٌ لَكَ أيُّهَا المُخْرِبُ، وَأنتَ لَمْ تُخْرَبْ. وَيْلٌ لَكَ أيُّهَا الغادِرُ، وَلمْ يُغْدَرْ بِكَ.” همس بها. كانت الكلمات موجهة لأشور، لكنها اليوم بدت وكأنها صدى لغدر داخلي، لخيانة شعب انحرف عن العهد. تذكر إشعياء، وقفته الشامخة في الساحات، وصوته كالرعد ينذر بالدينونة، لكنه في الوقت ذاته، كان يلمع في عينيه وميضٌ من رحمةٍ بعيدة، كوعد بماء في قفر.

خرج إلى الشارع مع أول ضوء. كانت المدينة تستيقظ على وجل. نساء يهرعن إلى الآبار بأوانٍ فخارية، عيونهن تتلفت نحو الأسوار. شيوخ جلسوا عند الأبواب، صامتين، كأنهم ينصتون لوقع خطى الجنود الذين لم يأتوا بعد. في السوق، كان التجار يرفعون أغطية حوانيتهم ببطء، وكأنهم لا يريدون أن يبدأ النهار. كل شيء كان مغطى بطبقة من الانتظار الكثيف.

في الزاوية المقابلة للهيكل، رأى إشعياء. كان واقفاً وحده، يحدق نحو قدس الأقداس حيث يختبئ مجد الرب، كما يقولون. لم يكن يرتدي ملابس فاخرة، بل ثوباً بسيطاً من الكتان، لكن وقفته كانت كجبل صهيون لا تتزعزع. اقترب منه حزقيا بتردد.

“يا نبي الرب، الكلمات التي أعطيتها… هل ندم الرب على قضاءه؟”

التفت إشعياء نحوه. كانت عيناه عميقتين، كبئرين قديمتين تخبئان مياهاً غزيرة. “الرب لا يندم كالإنسان. كلماته نار، تستهلك الفساد، وتنقي القلب. هو يدين أشور ليس لأنهم أشد خطية، بل لأنهم أداة قصاص بلغت مداها. ولكنه، يا حزقيا، ينتظر شيئاً واحداً هنا.”

“ماذا ينتظر؟”

“ينتظر أن يَرْفَعَ القلوبَ إليه. لا الأيدي فقط، ولا الذبائح وحدها. ينتظر الخوف الحقيقي، ليس من جيوش سنحاريب، بل منه. هو ملجأ للذين يعرفون أن قوتهم كالقش.”

عاد حزقيا إلى القصر، وكلمات النبي تدور في رأسه كدولاب الفخار. أمر كاتبه أن يدعو الشعب للاجتماع في الساحة الكبرى عند الهيكل. وعندما ارتفعت الشمس، وقف الملك على منصة، ونظر إلى وجوه رعاياه: المزارع المتشبث بمعوله، والتاجر الخائف على بضاعته، والمرأة الحامل التي تحتضن بطنها، والكاهن المتقدس غضباً مقدساً. أخذ نفساً عميقاً.

“أيها الشعب! لا تثقوا بالتحصينات وحدها. لا تعلقوا رجاءكم على القوة البشرية. الرب إلهنا يدين الظالم، لكنه لن يقبل منا إلا قلباً منكسراً. لنصرخ إليه. لنخَفْهُ حقاً، فهو وحده سيكون لنا كنزاً لا يفنى، ونهراً لا ينضب سلامه.”

لم تكن خطبة بليغة، بل كانت كلمات متكسرة، خارجة من أعماق رجل محاصر باليأس. لكن شيئاً ما حدث. ساد صمت ثقيل، ثم بدأت همهمة صلاة خافتة تتصاعد من هنا وهناك، حتى امتلأ المكان بدويّ التضرع، كأنه خرير ماء تحت الأرض، ثم تحول إلى نهر جارف من الاستغاثة والاعتراف.

وفي تلك الليلة، بينما كان حزقيا نائماً مضطرباً، رأى رؤيا. رأى مدينة ليست كأورشليم، واسعة، مفتوحة الأبواب، لا خوف فيها. رأى ملكاً جالساً على عرش عال، جلاله يملأ الهيكل، وحوله شعبٌ نظيف اليدين، نقي القلب، يتكلمون بالحق، ويرفضون الرشوة. كان السلام كالنهر يجرى في شوارعها، والمرضى يشفون بمجرد النظر إلى جبالها البعيدة. ثم سمع صوتاً، “اُنْظُرُوا صِهْيَوْنَ، مَدِينَةَ أَعْيَادِنَا. عَيْنَاكَ تَنظُرَانِ أُورُشَلِيمَ، مَسْكناً آمِناً”. استيقظ والندى على جبينه، والطمأنينة، للمرة الأولى منذ أشهر، تغمر قلبه كسحابة نعمة.

وفي اليوم التالي، وصلت الأنباء. جيش أشور، الجيش الذي لا يقهر، كان قد ضرب ضربة عجيبة. موت جماعي، دون معركة. رجع سنحاريب أدراجه، مخذولاً. وصف الرسول ما حدث بكلمات مذهولة: كأن ملاكاً من نار قد نزل على المعسكر. ولكن حزقيا فهم. لقد نزلت كلمة الرب، النار التي تلتهم المخرب.

خرج الشعب إلى الأسوار، ينظرون إلى السهل الخالي إلا من آثار رحيل عجل. كان الصمت عظيماً. ثم بدأوا يغنون. ليست أغنية نصر متعجرف، بل ترنيمة شكر خاشع. نظر حزقيا إلى إشعياء الذي وقف بينهم، ابتسم النبي ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى الشمس التي تخترق السحب.

“ها قد مضى الخوف. لكن تذكروا. الرب هو نار تحرق، وهو شعاع شمس يشفي. لن تنجو المدينة بقوتها، بل بإيمانها. لن يعيش الشعب بذكائه، بل بعدله. ليكن الخوف منه هو كنزكم. فحيث يكون هو الملك، تكون الأرض بيتاً آمناً إلى الأبد.”

وعاد حزقيا إلى قصره، واللفافة بين يديه. لم يعد يلمسها بخوف، بل بتوقٍ جديد. كانت المدينة آمنة، لكنه أدرك أن المعركة الحقيقية هي داخل الأسوار الحجرية للقلب. وأن النصر الحقيقي ليس في اختفاء الجيوش، بل في مجيء الملك، ذاك الذي عيناه تنظران العدل، وحضوره وحده هو الحصن الحقيقي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *