كان الظلام يدبُّ في أودية الجليل، بردٌ قارسٌ يعصر العظام، وريح شرقية قادمة من البادية تحمل معها عبق تراب المنفى. كان الشيخ أبيمالك جالسًا على صخرة متآكلة، عيناه الغائرتان تنظران إلى الغرب، حيث كانت الشمس تختفي وراء التلال كجمرة تخبو. بين يديه، برديةٌ مهترئة، لكنه لم يكن بحاجة لقراءتها، فالكلمات محفورةٌ في قلبه كالنقش على الحجر: “هَأَنَذَا آتٍ بِهِمْ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ وَأَجْمَعُهُمْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ”.
لم يكن أبيمالك من الكهنة ولا من الكتبة، بل كان راعياً بسيطاً، لكن النبوءة التهمت روحه منذ أن سمعها في صباه من فم ناسك مجنون يسكن الكهوف. والآن، وقد شاخ وكاد بصره يذهب، كان ينتظر. ينتظر أمراً لا يجرؤ أحد في القرية على الحديث عنه علانية، خوفاً من سخرية الشباب أو نظرات اليأس في عيون الشيوخ.
في تلك الليلة، بينما كان القمر الجديد شريطاً رفيعاً من الفضة في كفِّ الليل، أحسَّ باضطراب غريب. لم يكن صوتاً، بل كنبضٍ تحت التراب، كأن الجبال تتنهد تنهيدة طويلة مخنوقة. نهض متكئاً على عصاه، واتجه نحو السهل حيث كانت أغنامه نائمة. فجأة، صرخ أحد الرعيان الصغار: “انظر! النيران!”.
لم تكن نيراناً، بل كان نوراً غريباً ينساب على سفوح التلال البعيدة، كأنه نهر من لبن سائل. ارتعبت القلوب، لكن أبيمالك لم يرتعش. مشى، أو كأنَّ قوةً غير مرئية تحمله، نحو ذلك الضوء. وبينما كان يصعد الرابية، سمع حفيفاً كصوت أجنحة عظيمة، ثم انبثقت أصوات. لم تكن كلمات مفهومة، بل لحناً حزيناً عذباً، كأنه بكاء ممزوج بترنيمة.
“رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى عَنْهُمْ، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ”.
انهمرت دموع أبيمالك سخينة على وجنتيه المجعدتين. رأى، لا بعينيه، بل بقلبه، تلك الأم الأبدية، راحيل، واقفة عند مفترق الطرق إلى أفراتا، تذرّف الدمع على أبنائها المبعثرين من دمشق إلى بابل. لكن اللحن تغير. تلون الحزن بنغمة رجاء عنيدة، وصار البكاء ترنيمة وعد: ” اِرْجِعِي أَيَّتُهَا الْعَذْرَاءُ إِسْرَائِيلُ، ارْجِعِي إِلَى هذِهِ مُدُنِكِ”.
وفجأة، كما بدأ، خبا النور. عاد الظلام، لكن شيئاً ما تغير. كان الهواء أثقل، مشبعاً برائحة الياسمين البري ووعد المطر. عاد أبيمالك إلى قريته، وكانت خطواته أثقل وأخف في الوقت ذاته. في الصباح، اجتمع أهل القرية حول البئر، وهمسوا عن رؤى متضاربة: من رأى أقواس قزح في منتصف الليل، ومن سمع دقات طبول بعيدة، ومن حلم بحقول قمح تنبت بين الصخور.
بعد أيام قليلة، وصلت قافلة من الجنوب، تحمل تجاراً ومشردين. وكان بينهم كاهن هرم من أورشليم، وجهه محفور بالأسى والمشقة. سمع أهل القرية همسات أبيمالك، فطلبوا من الكاهن أن يتكلم. جلس الرجل تحت شجرة بطم عتيقة، وجمع حوله الصغار والكبار، وبدأ يتلو، لكن ليس من التوراة التي معه، بل من ذاكرة ملتهبة بالشوق:
“هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ… بَلْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ”.
ساد صمت ثقيل. ثم سأل فتى صغير، صوته خشن من الدهشة: “على قلوبنا؟ لكن القلب من لحم، كيف تُكتب الكلمات على اللحم؟”.
ضحك الكاهن ضحكة مكتومة حزينة. “لا يا بني، ليس كلمات من حبر. بل كالنقش على راحة اليد، كالندبة التي لا تزول، كحب الأم لوليدها. سيعرفونه من غير معلم، سيحبونه من غير شرط”.
وبينما كان الكاهن يتكلم، نظر أبيمالك نحو الشرق. ورأى، في وهج الظهيرة، خيالات تتحرك على الطريق. لم يكن رعاةً ولا تجاراً. كانوا أشتاتاً من الناس، بملابس غريبة، بوجوه منهكة تنيرها لهفة غريبة. كانوا قادمين من الطرقات التي تؤدي إلى أشور، من الموانئ التي تبحر إلى اليونان، من صحاري الجنوب. كانوا يسيرون ببطء، لكن بثبات، كالنهر الذي وجد مجراه أخيراً.
لم يكونوا جيشاً منتصراً، لم تكن معهم خزائن ولا غنائم. كانوا يحملون جراحهم وذكرياتهم وحسب. لكن في عيونهم بريقٌ لم يره أبيمالك من قبل. كان بريق العائد من الموت، بريق من وجد ماء في قفر، بريق من سمع اسمه يُنادى بعد ظلام طويل.
وعلم الشيخ في قلبه أن النبوءة لم تكن عن مجد أرضي يلمع كالبرونز، ولا عن انتقام يملأ الأودية دماً. بل كانت عن هذه العودة الهادئة، الممزقة، الجميلة. عن قلوبٍ مشتتةٍ تجد طريقها إلى بيتٍ لم تره من قبل، لكنها تعرفه كأنها ولدت فيه. كانت عن بكاء راحيل الذي يتحول، قطرة قطرة، إلى ندى يروي جذور شجرة الزيتون القديمة.
حين غربت الشمس ذلك اليوم، لم يكن الظلام قاتماً كما العادة. ففي أفق القلب، أشرقت كلمة، صامتة، حية، كالنبض الأول لوليد جديد.




