الكتاب المقدس

دينونة الجبال الخائنة

هكذا كان يتنفس الجبل، صباحًا بعد آخر، كما لو كان صدر أرض متعبة. لم تكن الريح تعبث بأعشاب المنحدرات الجافة فحسب، بل كانت تحمل شيئًا آخر، رائحة ثقيلة مختلطة: رائحة تراب حارّ، ورائحة البخور الذي لم يعد يُرفع للسماء، بل يلتصق بالأرض كضباب خجول. كانت “مرتفعات التلال” كما كانوا يسمونها، لا تعلو نحو الرب، بل تشير، بصخورها المتراصة، إلى فراغ القلوب.

كان “حزقيال” يعرف هذا الجبل جيدًا. لم يكن يراه بعينيه، فقد كانت أرض المنفى بعيدة، مسطحة وكئيبة. لكنه كان يراه في فؤاده، بتفاصيل مؤلمة: تلك النتوءات الصخرية التي حوّلوها إلى مذابح، والمنحوتات الخشنة لأصنام لا تستمع، والمذابح الحجرية الملطخة بدخان قرابين باطلة. كانوا يظنون أن القربان يُقربهم من السماء، وهم لا يرون أنهم يحفرون بأنفسهم هوة سحيقة بينهم وبين ذاك الذي خلق الجبل نفسه.

فجاءت الكلمة، ثقيلة كحجر الطاحون، حارقة كلهيب الظهيرة: “يا ابن آدم، وجّه وجهك نحو جبال إسرائيل وتنبأ عليها.” فالتفت قلبه كله، بعيدًا عن نهر خابور، عائدًا إلى تلك القمم الشامخة الخائنة. وبدأت الكلمات تخرج من شفتيه، ليس كخطاب عادي، بل كنداء دينونة، كصرخة حداد من السماء ذاتها.

“اسمعي أيتها الجبال صوت السيد الرب. هكذا يقول السيد الرب للجبال والتلال وللأودية وللأخاديد: هأذا أنا، أنا آتي عليكم بالسيف وأهدم مرتفعاتكم.”

تخيل حزقيال السيف لا بيد جيش غازٍ، بل كقضاء إلهي يسري في تضاريس الأرض نفسها. رأى بعين النبوة ذلك الصمت المخيف الذي يسبق العاصفة، ثم الضربة التي لا تصيب البشر وحدهم، بل تُصيب أصنامهم، ذاكرةَ تمردهم. “فتُهدم مذابحكم وتُكسر أنصابكم وأطرح قتلاكم أمام أصنامكم. وألقي جثث بني إسرائيل أمام أصنامهم وأذر عظامكم حول مذابحكم.”

الكلمات ترسم مشهدًا مهيبًا من الخراب. لم يعد الجبل مكانًا للعبادة الباطلة، بل صار قبرًا مكشوفًا. العظام البيضاء، التي كانت تحمل أجسادًا رقصت وضحكت وأحرقت البخور، ستصير زينة حول تلك المذابح الباطلة. صورة مرعبة في تهكمها المقدس: الأصنام الحجرية ستشهد على دمار عابديها، عاجزة عن حراك، محاطة ببقايا من قدموا لهم الولاء. سيكون الدليل على خطيئتهم ملقى حولهم، عظامًا ناخرة، تذكارًا أبديًا على أن كل من يعبد غير الرب، فمصيره الفناء أمام صنمه.

وتستمر النبوة، فتصف الانهيار الشامل: “في كل مساكنكم تصير المدن خرابا والمرتفعات مقفرة.” الحياة ستتراجع من تلك المنحدرات. لن يسمع حفيف أشجار الزيتون ولا صياح الرعاة، بل سيبقى الصمت ثقيلاً، مخلخلًا بصرير الريح بين الأنقاض. السبب واضح، مؤلم، متكرر كجرس ناقوس: “لكي تُهدم وتُخرب مذابحكم وتُكسر أصنامكم وتُمحى أنصابكم وتُعفى أعمال أيديكم.”

لكن في قلب هذا الدمار، تبقى نفحة من رحمة مخبأة في غاية القصاص. “ويبقى منكم ناجون يهربون بين الأمم.” سيُشتتون، غرباء في بلاد ليست بلادهم. وفي تلك الغربة، في صحراء التشرد، سيتذكرون. سيتذكرون الجبال التي تركوها خلفهم خرابًا. ستلدغهم الذكرى كل يوم. “ويذكرونني بين الأمم التي سُبوا إليها.” تلك الذكرى لن تكون مجرد حنين، بل ستمزق قلوبهم أخيرًا. “تحطمت قلوبهم الزائغة التي زاغت عني، وعيونهم الزانية التي زنت وراء أصنامهم.” سيدركون، متأخرين، كم كانوا مقسِّين، كم كانوا عميًا.

وسيكرهون أنفسهم، “لأني أنا الرب قد تكلمت. قد جئت بهذا الشر.” سيعرفون أن يدًا قوية قد أتت بهذا، ليست يد مصادفة عمياء، بل يد الرب الذي حذّرهم طويلاً، الذي أطال أناته، والذي جاء قضاؤه أخيرًا كي يردهم، ولو عبر الدمار، إلى أنفسهم الحقيقية.

وهناك، في خراب الجبال، سيعرفون أنه “أنا الرب”. ليس إلهًا محليًا، ليس صنمًا يحملونه معهم حيثما ذهبوا، بل هو الرب، خالق الجبال والوديان، الذي كلمتهم فأصموا آذانهم، والذي يسمع الآن، في الصمت الرهيب للجبال الخربة، صدى توبة الناجين البعيدين. فتنتهي النبوة، ويبقى حزقيال في مكانه، وكأن الريح التي حملت كلماته قد أخذت قوته كلها، تاركة إياه مع ثقل الرؤيا، ووهج الجبال المحطمة في عين روحه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *