كان الجوّ يميل نحو المساء، وهو الوقت الذي يفضل فيه المعلم أن يجلس على المنحدرات الخفيفة قرب شاطئ البحيرة، حيث تكون حرارة الشمس قد خبت، وتأتي نسمات الماء حاملة عبير الطين والأعشاب البريّة. كان الجمع اليوم أكبر من المعتاد. لم يأتوا من القرى المجاورة مثل كفرناحوم وبيت صيدا فحسب، بل جاءت أخبار عن رجال من الجليل العليا، بل وحتى من حدود السامرة. كانوا جلوساً على العشب البنّي الموشّك على الجفاف، أو واقفين في أطراف المجموعة، وجوههم تحمل آثار السفر والتعب، ولكن أعينهم مشدودة إلى الرجل الجالس على صخرة منخفضة.
كان يسوع ينظر إليهم نظرة عميقة، كمن يرى ما وراء الجباه المكللة بالغبار والثياب البالية. ابتدأ كلامه، وصوته لا يرتفع كثيراً، لكنه يصل إلى أبعد السامعين وكأنه يخاطب كل واحد على حدة.
“لا تحكموا على الآخرين، لكي لا يُحكم عليكم.” سكت قليلاً، ومرّت لحظة صامتة لم يسمع فيها سوى حفيف شجر الأراك البعيد وهدير موجة متوسطة على الشاطئ. “فكما تحكمون على الناس، سوف يُحكم عليكم. والكميّة التي توزّعونها للآخرين، هي نفسها التي سَتُوزَّع لكم.”
رأى في عيون بعضهم سؤالاً، بل وشكّاً. كان هناك رجل، وجهه يحمل جديّة قاسية، معروف في قريته بتشدده في تطبيق الشريعة وبتنبّئه على زلات الجيران. التفت يسوع نحوه، وكأنه يقرأ أفكاره. “لماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك، ولا تلاحظ الخشبة الكبيرة في عينك؟ وكيف تجرؤ على أن تقول لأخيك: دعني أُخرج القذى من عينك، وفي عينك خشبة؟”
ضحك بعض الحاضرين ضحكة خفيفة، ملمّحين إلى أشخاص يعرفونهم. ولكن الضحكة سرعان ما خمدت عندما واصل: “يا مرائي! أَخرج أولاً الخشبة من عينك، فحينئذٍ تستطيع أن تُبصر جيداً، وتُخرج القذى من عين أخيك.”
كانت سحابة مرتفعة تمرّ أمام الشمس، فتنعكس ظلّتها على الجمع كله، وكأن الطبيعة نفسها تشارك في التأمل. ثم انتقل صوته إلى موضوع آخر، أكثر حساسية. “لا تُعطوا ما هو مقدّس للكلاب، ولا تطرحوا درركم أمام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها، ثم تستدير فتمزّقكم.”
سأله أحد التلاميذ المقربين، بصوت خافت: “يا معلم، كيف نميّز؟”
أجاب بنبرة حانية ولكنها حازمة: “اسألوا، تُعطَوا. اطلبوا، تجدوا. اقرعوا، يُفتَح لكم. لأن كل من يسأل، يأخذ. ومن يطلب، يجد. ومن يقرع، يُفتَح له.” ثم نظر إلى الحشود، وفيها الأمهات اللواتي يطلبن الشفاء لأولادهن، والفقراء الذين يطلبون قوت يومهم، والحزانى الذين يبحثون عن عزاء. “أي أب منكم، إذا سأله ابنه خبزاً، يعطيه حجراً؟ أو إذا سأله سمكة، يعطيه حيّة؟ فإن كنتم، وأنتم أشرار، تعرفون كيف تُعطون أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات، سيعطي الخيرات للذين يسألونه!”
ثم جاءت الكلمات التي ستتردد في أذهانهم لسنوات طويلة بعد ذلك اليوم. أمرهم أن يدخلوا من الباب الضيق. “إن الباب الواسع والطريق الرحيب هما اللذان يؤديان إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منهما. أما الباب الضيق والطريق الصعب فيؤديان إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونهما.”
لم يشرح أكثر. لقد ترك الصورة تعمل في عقولهم. رأى بعضهم في خيالهم بوابة مدينة عريضة مزدحمة بالقوافل والتجار والمشتتين، وباباً خفياً ضيقاً في السور يحتاج إلى انحناء وتواضع لدخوله.
وحذّرهم من الأنبياء الكذبة، أولئك الذين يأتون في ثياب الحملان، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة. “من ثمارهم تعرفونهم.” قالها وهو يشير إلى شجرة تين ناشفة على التلة المقابلة. “هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً؟ هكذا كل شجرة جيدة تأتي بثمر جيد، والشجرة الرديئة تأتي بثمر رديء. لا تستطيع الشجرة الجيدة أن تأتي بثمر رديء، ولا الشجرة الرديئة أن تأتي بثمر جيد.”
كانت الشمس قد بدأت تغيب خلف تلال الجليل الغربية، مُطلية الماء بلون نحاسي، والوجوه بنور ذهبي خافت. وكانت كلماته الأخيرة تعلو قليلاً، كصوت جرس تحذير. “ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل بمشيئة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذٍ أُصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط! اذهبوا عني يا فاعلي الإثم!”
ثم ضرب لهم مثلاً أخيراً، مثلاً سيحفر نفسه في ذاكرتهم كالنقش على الحجر. “فكل من يسمع كلامي هذا ويعمل به، أشبّهه برجل عاقل، بنى بيته على الصخر. فهطل المطر، وجاءت الأنهار، وهبّت الرياح، وصدمت ذلك البيت، فلم يسقط، لأن أساسه كان على الصخر. وكل من يسمع كلامي هذا ولا يعمل به، يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل. فهطل المطر، وجاءت الأنهار، وهبّت الرياح، وصدمت ذلك البيت، فسقط، وكان سقوطه عظيماً.”
انتهى كلامه. لم يقل “آمين” أو يرفع يديه للبركة. فقط سكت. والنظر الثاقب في عينيه يتجول بين الحضور، يلامس كل قلب. ثم نهض، ونفض ثوبه من غبار الجلوس، وبدأ ينحدر نحو الشاطئ حيث تنتظره قارب صغير.
وبقي الجمع مكانه دقائق طويلة. بعضهم همس لصاحبه متسائلاً عن معنى “الرمل” و “الصخر” في حياته. وآخرون حدّقوا في الأرض، وكأنهم يفحصون أساسات أنفسهم. ورجل واحد، ذو العينين المتشكّكتين في البداية، لم يتحرك. كانت عيناه تفيضان بدموع صامتة، وهو يرى الخشبة الكبيرة التي طالما حملها في عينيه، ولم يرها إلا في ذلك المساء، تحت ضوء الغروب الأحمر، على منحدرات بحيرة الجليل.




