خرج يسوع وتلاميذه باكراً من بيت عنيا، حيث كانوا يبيتون، وكانت النسيم البارد لصباح الربيع ما يزال يحمل عبق الزهور البرية وأوراق التين. توقف يسوع قليلاً على منحدر الجبل، نظر نحو أورشليم من بعيد، وكانت أسوارها الذهبية تلمع تحت أول خيوط الشمس. قال لتلاميذه: “اذهبا إلى القرية التي تلقاءكما، فلما دخلتها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس. فحلاه وائتياني به. وإن قال لكما أحد: لم تفعلان هذا؟ فقولا: الرب محتاج إليه.”
انطلق الاثنان، بينما تبع الباقون يسوع بخطوات متأنية على الطريق الترابي. كان الجو ينفعل بنسمات متقطعة، وكأن المدينة المقدسة تتنفس بصعوبة في انتظار شيء عظيم. في الطريق، سأل بطرس عن معنى هذا الجحش، فأجابه يسوع بكلمات قليلة، لكن عينيه كانتا تحدقان في الهيكل البعيد، حيث يلمع القرميد تحت الشمس الصاعدة.
وجد التلميذان الجحش كما قال، مربوطاً عند باب خارجي، فحلاه. وسألهما بعض الواقفين، فأجابا بالكلمات التي أملاهما عليها. أتيا بالجحش إلى يسوع، وطرحا عليه ثيابهما، فركب. حينها بدأ شيء عجيب. إنطلق من بين الجموع التي كانت تتجمع للعيد، تهليلٌ عفوي، وكأن قلوب الناس تذكرت فجأة نبوءة زكريا القديمة: “ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتيك، هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان.”
فرش الناس ثيابهم على الطريق، وقطع آخرون أغصاناً من الأشجار وفرشوها. ارتفعت الأصوات: “أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب! مباركة مملكة أبينا داود الآتية! أوصنا في الأعالي!”
لكن يسوع لم يبتسم كمن ينتصر. كانت عيناه تريان ما وراء الهتافات، تريان الهيكل نفسه. دخل المدينة بهذا الاستقبال العفوي، ثم تفرق الجمع. نظر يسوع حوله في الهيكل، وكان الوقت قد أمسى، فخرج مع التلاميذ إلى بيت عنيا مرة أخرى.
في الغد، وهم عائدون من بيت عنيا، جاع يسوع. فرأى من بعيد شجرة تين قد أورقت، فاقترب منها لعله يجد فيها ثمراً. ولما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً، لأنه لم يكن وقت التين. فكلمها قائلاً: “لا يأكل أحد منك ثمراً بعد إلى الأبد.” وكان التلاميذ يسمعون.
دخلوا أورشليم مرة أخرى، وتوجه يسوع مباشرة إلى الهيكل. هناك رأى ما أثار غضبه العميق: باعة البقر والغنم والحمام، والصيارفة جالسين على مكاتبهم. تطلع حوله، وكان صوته يعلو على ضجة التجارة: “أليس مكتوباً: بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الأمم؟ وأنتم جعلتموه مغارة للصوص!”
بدأ يطرد الباعة، ويقلب موائد الصيارفة، وكراسي باعة الحمام، ولم يدع أحداً يجتاز الهيكل بمتاع. علم الكتبة ورؤساء الكهنة بهذا، فأخذوا يبحثون عن طريقة ليهلكوه، لأن الجمع كله كان مبهوراً من تعليمه.
عند المساء، خرجوا من المدينة أيضًا. وفي الصباح، مرّوا بشجرة التين التي لعنها، فإذا هي قد يبست من الأصول. فاندهش بطرس وقال: “يا معلم، انظر! التينة التي لعنتها قد يبست!”
فأجاب يسوع: “ليكن لكم إيمان بالله. فإن من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر! ولا يشك في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له. لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم.”
وبينما هم في الهيكل يتنقل، جاء إليه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ يسألونه: “بأية سلطة تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذه السلطة حتى تفعل هذا؟”
فأجابهم يسوع: “سأسألكم أنا أيضاً كلمة واحدة، فأجيبوني، فأقول لكم بأية سلطة أفعل هذا. معمودية يوحنا، من السماء كانت أم من الناس؟ أجيبوني.”
فتحاوروا بينهم قائلين: “إن قلنا: من السماء، يقول: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، نخاف من الشعب، لأن يوحنا عند الجميع كان في الحقيقة نبياً.” فأجابوا يسوع: “لا نعلم.”
فقال لهم يسوع: “ولا أنا أقول لكم بأية سلطة أفعل هذا.”
كانت الشمس تميل نحو الغرب، فتركهم وخرج من الهيكل. تبعته جموع صغيرة، يلتمسون تفسيراً، أو ببساطة، يلتمسون راحةً من تعب اليوم في ظل كلماته. وكانت أورشليم تستعد لليل، وكأنما تحت ضجيجها، صمتٌ عميق ينتظر.




