كانت حرارة الظهيرة قد اشتدت في سوق المدينة، حيث كانت أرواح الغلال تتصاعد كبخور كاذب. كان بولس جالساً في ظل عقود الكرم المتدلية عند مدخل البيت، والألواح الخشبية التي بين يديه تنتظر. لم تكن الكلمات تأتي بسهولة اليوم. ففي أذنيه ما زال يدوي صدى الأخبار التي جاءت بهم القوافل من غلاطية: ارتباك، وشكوك، وتعاليم غريبة تتسلل إلى الإخوة هناك كسوس ينهش من جذور الكرمة.
تنهد، وأخذ القلم بيده المتعبة التي تحمل ندوب السنين والأسفار. فكر في وجوههم التي رآها للمرة الأولى، حين دخل إلى دربةهم مكسوراً من المرض، فقبلوه كملك. كم كانت قلوبهم رحبة! ولكن الآن…
بدأ يكتب، وكأن الحروف تنزع من أحشائه. “لتكن نعمة وسلام لكم من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح”. ثم توقف. لا، هذا ليس وقت التحيات المطولة. فالجرح يحتاج إلى كي، والانحراف يحتاج إلى تقويم فوري. عاد إلى السطر، وكتب بلهجة أكيدة: “عجيبٌ أمركم! من سحركم حتى تركتم الحق؟”
أغلقت عيناه للحظة، ورأى في الظلام الداخلي مشهداً عتيقاً: بطرس في أنطاكية، يأكل مع الأمم بفرح وحرية، كأنه في وليمة الملكوت نفسه. ثم جاء المتهودون من يعقوب، فبدا ارتباكٌ على وجه بطرس، وانفصل خلسة عن موائد الأمم. تذكّر كيف وقف هو أمامهما، وكيف واجهه بالحقيقة: “إن كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً، فكيف تلزم الأمم أن يتهودوا؟” كانت تلك الحرية التي دفع ثمنها ثمناً باهظاً: الضرب، والرجم، والسجن. ولأجلها الآن يتركونها؟ من أجل طقوسٍ بائدة، وختان جسدي لا يغني عن الروح شيئاً؟
فتح عينيه، وكانت الشمس قد زحفت لتلمس قدميه. كتب وهو يشعر بغصة في حلقه: “أيها الإخوة، إنكم إن تقبلتم الختان، فالمسيح لا ينفعكم شيئاً”. كلمات قاسية، لكن الحق أقسى. إنه مثل الطبيب الذي يجب أن يقطع اللحم الفاسد لينجو الجسد كله. تابع يشرح، وكلماته تنساب كالنهر الجاري: ليس الناموس هو طريق البر، بل الإيمان العامل بالمحبة. الإيمان الذي يحرر، لا الذي يقيد.
وهنا توقف قلمه مرة أخرى. الحرية. هذه الكلمة التي يساء فهمها. فالذين يشيعون بينهم الفتنة، أولئك هم العبيد حقاً، عبيد لشهواتهم ورغبتهم في السيطرة على ضمائر الآخرين. أما حرية الروح فهي مختلفة. استعاد في ذاكرته صورة كرمة كبيرة رآها في الطريق إلى دمشق، محمولة على دعامة قوية. الأغصان حرة في التمدد والأثمار، لكنها مرتبطة بالجذر. الانفصال يعني الموت واليباس. هكذا حرية المؤمن.
أخذ يعدد ثمر الروح، وكأنه يرسم لوحة بألوان من نور. “أما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف”. كتبها ببطء، متذوقاً كل كلمة. هذه ليست فضائل يصنعها الإنسان بمجهوده، بل هي كالعنب الذي يفيض من الكرمة الموصولة بالماء الحي. لا يمكنك أن تجهد نفسك لتنتج فرحاً حقيقياً، أو سلاماً متجذراً في الأعماق. إنه ينبع.
ثم قابلها بأعمال الجسد، فجاءت قائمة قاتمة كأنها صدى لصرخات البشرية الضائعة: “زنى، عهارة، نجاسة، عبادة أوثان، سحر، عداوة، خصام…” كان يشعر بثقل وهو يسطرها، كمن يرفع حجارة من قبر. هذا هو العبودية الحقيقية. العبودية للذات المتمردة المنغلقة على نفسها. تذكر وجه أحد المتهودين في أفسس، ذلك الغرور البارد في عينيه وهو يفرض وصاياه البشرية على الآخرين. ألم يكن ذلك الوجه ينتمي إلى قائمة “العداوة والخصام”؟ إن الذين يزرعون الشقاق في جسد المسيح، هم، في النهاية، يخدمون إلهاً آخر.
رفع رأسه فسمع ضحكات أطفال يلعبون في الزقاق المجاور. ضحكات بريئة، خالية من التكلف. تمنى لو أن إيمان المؤمنين يكون مثل هذه الضحكات: تلقائياً، متدفقاً من القلب دون تشريعات معقدة. كتب الدعوة الأخيرة: “إذا عشنا بالروح، فلنسلك أيضاً بالروح”. ليس مشروعاً لإصلاح الذات، بل استسلام للمسيح الحي الذي يسكن في أعماقهم. الاستسلام الذي يولد حياة طبيعية، مثل النفس الذي يدخل الجسد فيولده حياً.
وضع القلم أخيراً، وقد شعر بإعياء عميق، لكنه إعياء فيه رضا. نفض الرقوق برفق، وتركها تجف تحت الشمس التي صارت تميل نحو المغيب. في الأفق، كانت سحب متراكمة تلطخ السماء بلون الخزامى والذهب. فكر في رسالته وهي تقطع الجبال والوديان نحو غلاطية. هل ستفهم؟ هل ستلمس قلوباً تائهة؟ لا يعلم. لكنه أتمّ ما عليه. والباقي على الذي بدأ فيهم عملاً صالحاً، وهو يكمله إلى يوم المسيح.
دخل البيت، وكانت رائحة الخبز الطازج تفوح من الموقد. في الصمت الذي خيم على المكان، بدا وكأن همسة لطيفة تتردد: “النعمة مع روحكم، أيها الإخوة”.




