كان الغروب ينزلق فوق سدوم كقطعة قماش مبللة بالزيت والقار. لم تكن حمرة الأفق جميلة، بل كانت مشبعة وكثيفة، كأنما السماء نفسها تترنح من رائحة المدينة. ريح شرقية حاملة عبير الملح من البحر الميت القريب، لكنها اختلطت فوراً بدخان المواقد ولُهاث التراب تحت الأقدام المتعجلة نحو ملذات الليل.
جلس لوط على مقعد من حجر عند باب المدينة، كما كان يفعل كل مساء. لم تكن عادته للتأمل، بل كانت حذراً قديماً. كان يشعر بأن الهواء نفسه في سدوم قد أصبح ثقيلاً، لاصقاً، يحمل همسات المظالم والضحكات القاسية. بيت القصيد، كان قد اختار هذه المدينة ذات يوم لخيراتها، لكن الخيرات تناقصت بينما تكاثر الشر كالعفن على الخبز القديم.
ظهر الرجلان فجأة، كأنما خرجوا من طول الظلال نفسها. لم يبدو عليهما تعب السفر، لكن ثيابهما البسيطة كانت مغبرة. وقفا بصمت، ونظر لوط إليهما. شيء في عينيهما، صفاء غريب، جعله يقف فوراً. “تفضلا إلى بيت عبدكما” قال وصوته أخشن قليلاً مما أراد. “اغسلا أرجلكما وتبيتان إلى الصباح”. كانت عادة الضيافة مقدسة، حتى في مكان مثل سدوم، لكن لوط أدرك في أعماقه أن هذين ليسا مسافرين عاديين. كان ثمة هدوء يحيط بهما، هدوء يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
لم يعترضا. سارا خلفه في الشوارع الضيقة التي بدأت تمتلئ بأصوات الليل. صيحات بائعي الخمر، ضحكات متهتكة، أنين موسيقى من بيت ما. تسارعت خطوات لوط. بيتهم كان قرب السور، متواضعاً بين البيوت الأكبر. دق الباب بخشية، وفتحت له سارة، امرأته، عيناها تضيئان من فتحة الباب بقلق معتاد.
لم يمض وقت طويل حتى انتشر الخبر. كان في سدوم آذان تسمع كل همسة، وعيون ترى كل غريب. بدأوا يأتون فرداً فرداً، ثم جماعات. قرعوا الباب أولاً، ثم صار القرع دقاً، ثم صار الدق تحطيماً. “أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة؟” صرخ صوت أجش. “أخرجهما إلينا لنعرفهما!” كلمة “نعرفهما” علقت في الهواء الثقيل بكل فظاظة معناها.
اغتاظ لوط حتى النخاع. خرج إلى الشرفة الصغيرة حيث تجمع الحشد، وجوههم مشتعلة بنيران المصابيح التي حملوها. “إخوتي، لا تفعلوا شراً” نادى، وصوته احتوى على رجفة حاول كبتها. “هذان ضيفاي، تحت سقفي وحمايتي. عندي ابنتان لم تعرفا رجلاً، دعوهما أخرجهما إليكم، وافعلوا بهما ما يحسن في أعينكم. لكن لهذين الرجلين لا تفعلوا شيئاً.” كانت الكلمات تخرج منه وكأنها تحرق حلقه. كان عرضاً فظيعاً، نابعاً من ذهول مرعب ومن قانون قديم يضع شرف الضيافة فوق كل شيء، حتى فوق دماء بناته.
صاح الحشد هازئاً: “قال هذا يدخل نزيلاً، والآن يصير قاضياً!” وتقدم رجل كبير، وجهه مجعد كجذع شجرة ميتة، ليقتلع باب الباب من مفاصله. في تلك اللحظة، مد الرجلان، الضيفان، أيديهما وسحبا لوط إلى الداخل وأغلقا الباب بقوة. وكانت قوة غريبة في حركتهما، قوة لا تعرف التردد. في الحال، سمع لوط من خلف الباب صوت ارتباك، ثم صراخ، ثم عمى. ضرب الرجلان جميع الذين عند الباب، صغاراً وكباراً، بالعمى، حتى أعيوا في التماس الباب.
آنذاك تكلم الضيفان، ولم يعد صوتهما كصوت البشر. كان واضحاً، حاسماً، كقطع الحجر. “من ههنا لك أيضاً؟ أصهارك، بنيك، بناتك، وكل ما لك في المدينة، أخرجه من هذا المكان. لأننا مهلكان هذا المكان، إذ قد عظم صراخهم أمام الرب، فأرسلنا الرب لنهلكه.”
خرج لوط كمن يمشي في النوم. ركض في ظلام الشوارع نحو بيوت أصهاره، حيث خطبت بنتاه لشابين من أهل المدينة. وقف يخبرهم: “قوموا! اخرجوا من هذا المكان، لأن الرب مهلك المدينة!” لكن كلامه بدا لهم كلعب. ضحك الشابان، وظنا أنه يهذر. “يا حمينا، لقد شربت كثيراً الليلة. تحدثنا غداً.” وأغلقا الباب في وجهه.
بدأ الفجر يشق طريقه، خطاً رفيعاً من اللؤلؤ الرمادي في أقصى السماء. تذمر الملاكان: “قم، خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين، لئلا تهلك بذنب المدينة.” وكان لوط يتلكأ، قلبه مثقل بكل ما يتركه: بيته، أملاكه، حياته التي بنىها. فأمسك الملاكان بيده ويد امرأته ويدى ابنتيه، لرأفة الرب به، وأخرجوهما ووضعوهما خارج المدينة.
وقال أحدهم، وصوته فيه عجلة السماء الأخيرة: “اهرب لحياتك! لا تنظر إلى وراءك، ولا تقف في كل الدائرة. إلى الجبل اهرب، لئلا تهلك.” نظر لوط إلى الجبال البعيدة، الموحشة، فأخذته رعدة. “لا، يا سيدي” تضرع، وعيناه تفيضان. “لقد وجد عبدك نعمة في عينيك، فكبرت رحمتك. لكنني لا أستطيع الهروب إلى الجبل، لعل الشر يدركني فأموت. انظر هذه المدينة، هي صغيرة، أليست صغيرة؟ دعني أهرب إليها، فهي صغيرة، فتحيا نفسي.” كان يحدق إلى مدينة صغيرة اسمها صوغر، وكأنها قشة يتعلق بها غريق.
قال له: “قد قبلت وجهك في هذا الأمر أيضاً، حتى لا أقلب المدينة التي تكلمت عنها. أسرع، اهرب إلى هناك، لأنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً حتى تجيء إلى هناك.”
كانت الشمس قد أشرقت على الأرض حين دخل لوط صوغر. آنذاك أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً، من عند الرب، من السماء. وقلب تلك المدن، وكل الدائرة، وكل سكان المدن، ونبات الأرض. كانت النار لا تشبه نار الأرض. كانت ساطعة، صامتة تقريباً، تسقط كنجوم ميتة، وتلتهم كل ما تلمسه ليس بلهب، بل بتحول مروع إلى رماد وملح. رائحة الكبريت غطت كل رائحة، حتى رائحة البحر.
امرأة لوط، تلك التي لم تذكر اسمها، سمعت وراءها دوي الانهيار، كأن جبلاً من الزجاج ينكسر. نسي الأمر، نسي التحذير. التفتت. في الحال، في لمحة عينها الخاطفة، تصلبت. لم تمت بالطريقة التي يموت بها الآخرون. تحولت إلى عمود من الملح، لا من ملح الأرض، بل من ملح أبيض، نقي، يشبه الثلج تحت شمس الصحراء. أصبحت نصباً صامتاً، شاهداً على النظر إلى الوراء، إلى حياة كانت، وإلى دمار أصبح.
بكر لوط في الصباح وخرج من صوغر، هو وابنتاه. لم يجرؤ على العودة إلى السهل. صعد إلى الجبل بعد كل شيء، وخيم في مغارة مع ابنتيه. كانت المدينة التي اختارها ذات يوم، والتي حاول أن يشفع لها، قد أصبحت أثراً بعد عين، دخاناً يرتفع كدخان أتون عظيم. والبحر الميت، في الأسفل، صار أكثر ملوحة، يحتفظ بذكرى الدمار في مياهه الثقيلة التي لا تعرف الحياة.
وفي المغارة، في الظلام الذي لا يطاق، حيث صارت الخمر عزاءه الوحيد، حدث ما لم يكن ليخطر ببال. خافت البنتان الكبرى ثم الصغرى أن يموت أبوهما دون أن يبقى له نسل. فسقتاه خمراً، واستضجعتا معه في ليال متتابعة، دون أن يعلم. وحملتا منه. وصار من الكبرى ابناً سمته موآب، أبو الموآبيين في ما بعد. ومن الصغرى ابناً سمته بن عمي، أبو بني عمون. وهكذا، من رماد سدوم، ومن ظلام مغارة، ومن فعل يائس محفوف بالعار، ولدت أمتان ستلعبان دوراً في تاريخ لم يكن لوط العجوز المتكئ على زجاجته ليتخيله.
وبقيت امرأته، عمود الملح، قائمة في السهل. تذروها الرياح قطعة قطعة، وتشتريها نسوة المنطقة أحياناً كتذكار غريب، أو كحجر ملح لاستخدامه في البيت. لكنها تبقى، وتعود، شاهداً صامتاً على أن بعض الدموع، إذا سالت في اللحظة الخطأ، قد تتحول إلى مرارة لا تذوب.




