وكانت تلك الأيام قد طالت منذ أن نزل يعقوب وبنوه إلى أرض مصر، واستقرّوا في كورة جاسان، في أحضان النيل الذي لا ينضُّ خيره. ومضت السنوات تلد سنوات، والآباء يلدون أبناء، والأبناء يصيرون قبائل. وكما تكاثر نسل إسرائيل، امتلأت بهم الأرض، وعظُمت قوّتهم حتى صاروا شعباً لا يُحصى، كرمال الشاطئ، وكنجوم السماء في ليلة صافية.
وفي مصر، بينما كان النيل يفيض ويعود إلى مجراه، جاء ملك جديد على العرش، لم يعرف يوسف، ولا الذكرى التي حفظت لأجداده. نظر هذا الفرعون حوله فرأى شعب إسرائيل ينمو بقوّة غريبة، كالحشيش الذي يعلو بين أحجار القصر. فاستولى عليه خوف بارد، كالذي يتسلّل في الليالي الشاتية. وتهامس في مجلسه مع حكمائه ووزرائه: “هذا الشعب قد صار أكثر وأعظم منّا. إن تركناه هكذا، ففي يوم الحرب ينقلب علينا ويحارب ضّدنا، ثم يخرج من أرضنا ويسلب خيراتها”. وكانت هذه الوساوس تثقل قلبه، فقرّر أن يحطّم قوّتهم بالذلّ والعنت.
فبدأ بأن جعل عليهم رؤساء تسخير، لِيُثقِلوا عليهم بالأثقال. وبنوا لفرعون مدينتيْ مخازن: فيثوم ورعمسيس. وصار العبرانيّون يقطعون الطين، ويحرقون اللبن، ويرفعون الجدران حجراً حجراً، تحت لهيب الشمس التي لا ترحم. وأصبحت أيامهم حلقة مفرغة من التعب والألم. من الفجر حتى المغيب، وهم ينقلون، ويبنون، ويتصبّبون عرقاً، وظهر أحدهم ينحني كغصن مثقل بالثمر. لكنّ غرابة الأمر كانت أنهم كلما اشتدّ عليهم العذاب، كلما ازدادوا انتشاراً ونمواً. كالعشب الذي يُداس ثم ينتشر. فكان هذا يُثير ذعر المصريّين أكثر، فيشتدّون في تسخيرهم، ويجعلون حياتهم مرّة كالعلقم.
ولم يكتفِ فرعون بذلك. فاستدعى داتين من القابلات العبرانيات، إحداهما تُدعى شفرة، والأخرى فوعا. وأمرهما في حزم مختلط بالتهديد: “عندما تولد العبرانيات، انظروا إلى المواليد على المغابن. إن كان ابناً فاقتلوه، وإن كانت بنتاً فلتحيَ”. ولكنّ القابلتين كانتا تتّقيان الله في أعماق قلبيهما. ولم تفعلا ما أمر به ملك مصر، بل أحيَتا الذكور أيضاً. فكانت النساء تلدن بقوة، وكثيراً ما كنّ يلدن قبل وصول القابلات، فيخبئن المواليد في البيت أياماً، ثم يظهرنهم كأنهم وُلدوا للتو.
فلاحظ فرعون أن ذكور العبرانيين ما زالوا يعيشون. فاستدعى القابلتين من جديد، وصرخ في وجههما: “لماذا فعلتما هذا الأمر وأحييتما الذكور؟”. فأجابتاه بحكمة بسيطة كحكمة النساء العاملات: “لأنّ النساء العبرانيات لسن كالمصريات. إنهنّ قويات، يلدن بسرعة، وقبل أن نصل إليهنّ، يلدن بالفعل”. فلم يستطع فرعون أن يناقش في طبيعة الولادة، فسكت وهو يغلي من الداخل.
ولكنّ الله كان يكافئ الإيمان الخفي. فأحسن إلى القابلتين، وجعل لهما بيوتاً، أي ذريّة ونسباً، لأنهما خافتا الله. واستمرّ الشعب في النموّ والتكاثر بقوة هائلة.
حينئذٍ، لم يعد لفرعون صبر. فأصدر أمره إلى جميع شعبه، بنفس الجملة القصيرة المدوّية: “كل ابن يولد للعبرانيين تطرحونه في النهر. ولكن كل بنت تستحيونها”. وصار المصريّون يراقبون بيوت العبرانيين، وينتظرون ولادة الذكور، ليختطفوهم ويرموهم في مياه النيل، التي كانت مصدر حياة مصر، فصارت أداة موت.
وفي تلك الأجواء من الرعب والظلم، حيث كان الخانق يلفّ القبيلة كلّها، كان الله يهيّئ في الخفاء قصّة خلاص عظيمة. كان يسمع أنينهم، ويتذكّر عهده مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكانت عيون أمّهات العبرانيين، المليئة بالدموع والخوف، تبحث عن خلاص لا تعرف شكله بعد. لكنّ النهر نفسه الذي أُمر أن يكون قبراً للأطفال، سيصير طريقاً للنجاة. وكانت الأيام القادمة تحمل في طيّاتها سرّاً عجيباً، وطفلاً سينتشل من المياه، ليُنتشل شعب كامل من العبودية.




