كان آخر ملوك أورشليم يجلسون على عرش داود، كمن يجلس على حافة كأس مملوءة بالغضب، لا يرون عمق السُّم الذي فيها. وكانت أيامهم كظل قصير يتقلص تحت شمس الظهيرة الحارقة.
ذهب يوشيا الملك البار، الذي طهر الأرض من الأصنام، كأنه آخر سنبلة قوية في حقل أكلته النار. وبعد رحيله، أخذت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ. يهوآحاز، الابن، ملك ثلاثة أشهر فقط، قبل أن يرسله فرعون نخو مكتوفًا إلى مصر. لا أحد في المدينة نسى صورة الملك الشاب وهو يُقاد بعيدًا عن أسوار مدينته، وغبار العربة يختلط مع غبار الطريق إلى المنفى.
ثم جاء يهوياقيم، أخوه. ملك أحد عشر سنة، لكنها كانت سنوات الفراغ. كان كمن يبني جدارًا بالرمال على شاطئ البحر. ظل يدفع الجزية لفرعون، ثم تحول ليدفع لبابل حين صعدت نبوخذنصر وقهرت كل شيء. حاول التمرد مرة، فجاءت جيوش الكلدانيين والأراميون والمؤابيون والعمونيون كسيل جارف، لا لتحاربه فقط، بل لتأكل الأخضر واليابس في مملكته. ورأى الناس بأعينهم كيف أن عهد الرب قد ابتعد عن بيت داود، حين يُسلم شعبُه إلى مثل هذه الأهوال.
وجاء بعده يهوياكين، ابنه. ملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام. وقت السقوط كان في الربيع. حين تفتحت أزهار اللوز على التلال، جاء نبوخذنصر بنفسه، وحاصر المدينة حتى أخذها. وشاهد الجميع من على الأسوار، الملكَ الشاب وأمه وخدمه وخدامه، وهم يُخرجون من القصر. ورأوا بعيون مذهولة كيف أن خزائن الهيكل، تلك التي ملأها أبوه وأجداده من الذهب والفضة، تُنهب وتُحمل على عربات إلى بابل. ولم يبقَ في المدينة إلا الفقراء والضعفاء، كبقايا حصاد مرّ.
وعين نبوخذنصر متّيا، عم الملك، ملكًا وغير اسمه إلى صدقيا. وكان هذا آخر ملوك يهوذا. عشرين سنة جلس على العرش، عشرين سنة من التردد والعمى. كان قاسي الرقبة، متصلب القلب، لا ينحني لا للرب ولا للنصيحة. كسر قسمه لنبوخذنصر، وتمرد عليه متكلًا على وعود كاذبة من مصر. وكانت النتيجة كالنار التي تأكل الهشيم.
حاصر الكلدانيون المدينة مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان الحصار طويلًا وقاسيًا. سنتان كاملتان. سمع الناس من داخل الأسوار صوت فؤوس تحطم أشجارهم حول المدينة، وصوت صرخات الجوعاء في الأزقة. سقطت الأسوار في النهاية، ليس بقوة السيف فقط، بل بقوة الجوع والوبأ. وهرب صدقيا ليلًا مع أبنائه وجنوده، نحو البرية. لكنهم أدركوه عند أريحا. وآخر ما رآه بعينيه، قبل أن يفقده الكلدانيون إياها، كان مشهد أبنائه وهم يُذبحون واحدًا تلو الآخر. ثم قيدوه بالسلاسل النحاسية، إلى بابل، حيث مات هناك.
وبعد ذلك، جاء نبوخذ نصر قائد جيشه، ونبوخذنصر الملك، إلى المدينة المنكوبة. دخلوا الهيكل، بيت الرب الذي بناه سليمان بكل ذلك المجد. أخذوا كل شيء. المذبح النحاسي، والمراحض، والمناضح، والطاسات، كل إناء من ذهب أو فضة. مزقوا الحجاب. وأحرقوا الباب الكبير المصنوع من خشب الأرز المنقوش. ثم أضرموا النار في البيت كله. بيت الرب، الذي كان مجد إسرائيل وفرحها، صار كومة من الرماد والدخان الأسود الذي ارتفع حتى سحب السماء.
وبعد الهيكل، أحرقوا القصر، وكل بيت كبير في المدينة. هدموا الأسوار، تلك التي ظنت نفسها منيعة. حملوا من بقي من الشعب إلى السبي، كل من هرب من السيف والجوع، إلى بابل ليكونوا عبيدًا للملك وأبنائه. لقد تمت كلمة الرب التي نطق بها الأنبياء. استراحت الأرض أخيرًا، بعد أن دنستها الخطايا، واستوفت سببتها. سبعين سنة كاملة.
لكن في قلب هذا اليأس، بقي شيء واحد. كلمة. كلمة الرب على لسان إرميا. لم تكن الكلمة قد ماتت في الرماد. بل كانت كالبذرة تحت الثلج. وها هو، في أوانها، يهيئ الرب روح كورش، ملك فارس، الذي صعد على مملكة بابل. وفجأة، وفي وسط غربة الشعب، صدر منشور. منشور ملكي في كل مملكته، ومكتوب أيضًا. “هكذا يقول كورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتًا في أورشليم. فمن منكم من كل شعبه، ليكن الرب إلهه معه، وليصعد.”
وهكذا، بينما كان الدخان لا يزال في الذاكرة، والدمع لم يجف بعد على الخدود، بدأت نغمة جديدة، خافتة كهمسة ريح، تدب في قلب المنفى. نغمة الرجاء. نغمة العودة. لأنه حتى في غضبه، يذكر الرب رحمته.




