الكتاب المقدس

ترنيمة الفجر الخفية

كان الليل قد أرخى سدوله على أورشليم، ونسيمٌ باردٌ يهبّ من جبال اليهودية حاملاً عبق الأزهار البرية وأريج الزيتون. كان كالب، الحارس المسنّ على أسوار المدينة، يتنقّل بين الأبراج بحركة متواضعة، تكتنفها هدأةٌ لا يقطعها سوى حفيف ثيابه الخشنة على الحجارة الملساء. في قلبه همسة لم تهدأ منذ أيام: فرحٌ غريب، كالنهر الجوفي الذي لا تراه العيون لكن الأرض فوقه خصبة.

تذكّر كلمات أبيه، وهو يردد مزموراً سمعَه في الهيكل أيام العيد: “سبحوا الربّ غناء جديداً، تسبيحته في جماعة الأتقياء”. لم يكن يفهم حينها معنى “الغناء الجديد”. أكان هو النشيد ذاته بتلحين مختلف؟ أم شيء أعمق؟ الآن، وهو يرى المدينة نائمة تحت جناح السلام النسبي بعد سنوات عجاف، أدرك أن الغناء الجديد ينبت من قلبٍ نال خلاصاً ملموساً. الخلاص لم يكن مجرّد ذكرى لعبور البحر، بل كان رؤية العدل الإلهي وهو يمسح الدموع عن محيّا المظلومين في الأسواق، ويوقف جشع المتسلّطين عند حَدّهم.

سمع صوت ربابة خافت يأتي من بيت متواضع قرب السور. كان إلياس، الشاب الأعرج الذي يصلّي الجلد كل صباح، يعزف نغمة حزينة في ظلمة داره. توقّف كالب يستمع. ثم، دون تفكير، همس بكلمات المزمور: “ليبتهج إسرائيل بصانعه، وبني صهيون يفرحون بملكهم”. كأنما النغمة تغيّرت. صارت الربابة تحدّث بمجد خفي. ارتفع الصوت قليلاً، وكأنما انضمّت إليه أصوات أخرى غير مسموعة، تسبح باسم الرب.

انزلق كالب إلى زاوية من زوايا السور، حيث كان الضوء الخافت من قمرٍ نصف مكتمل يلعب على وجهه المتجعد. أخذ يردد: “ليمجدوا اسمه بالرقص، وبالدف والعود يسبحونه”. رأى بعين ذاكرته مشهداً من أيام شبابه: حجاجاً يرقصون في ديار الرب، أقدامهم ترفع غبار الطريق المقدس، وأيديهم مرتفعة كأغصان شجر تهلّل للربيع. لكن النصّ يتحدث عن شيء آخر: “لأن الربّ يُسرّ بشعبه، يزيّن الودعاء بالخلاص”. الودعاء. أولئك الذين لا صراخ لهم، الذين يقبلون بالجزء الأصغر، الذين يخفضون أعينهم عند الظلم. هؤلاء سيكونون زينة الله، وسيُكَلّلون بنصر لم تنتجه سيوفهم.

في الصمت الذي أعقب ذلك، شعر كالب بثقل في جيبه. مدّ يده ليجد سكّيناً صغيرة كان يستخدمها في تقطيع خبزه وجبنه. نظر إليها تحت ضوء القمر. ثم تذكّر العبارة التي كانت تُحيّره دائماً: “ليحمِل الأتقياء عِزّة في حُلَلهم، وليهتفوا على مضاجعهم. لترتفع تسبيحات الله في حناجرهم، وسيف ذو حدّين في أيديهم”. سيف؟ أين السيف في هذا السلام؟ أهو سيف من حديد، أم استعارة لشيء آخر؟ أتراه الكلمة التي تخرج من فم المؤمن كسيفٍ يقطع حبال اليأس والخطيئة؟ أم هو العدل الإلهي الذي ينفّذه الضعفاء عندما يثقون به؟ تأمّل كالب في أولئك “الودعاء” وهم يحملون “سيفاً ذا حدين”. إنه تناقضٌ عجيب. القوة لا تأتي من العضلات، بل من اليقين. النصر لا يأتي من الغلبة، بل من الإيمان بأن الرب هو الذي يدين حتى ملوك الأرض والأغلال التي يصنعونها.

سُمعت خطى خفيفة على السلالم الحجرية. كانت راحيل، ابنة إلياس الأعرج، تحمل له جرة ماء صغيرة. “أجدّي، ألا تأوي لفراشك؟” سألته بصوت ناعم. نظر إليها كالب، وفي عينيها بريقٌ شبيه بذلك الفرح الذي يشعّ من المزمور. قال لها: “أتسمعين الغناء، يا راحيل؟” أطرقت رأسها مستغربة. “لا أسمع سوى ربابة أبي.” فأجابها وهو يبتسم: “لكني أسمع أكثر. أسمع تسبيحات الله في حنجرة هذه المدينة النائمة. أسمع سيفاً لا يصدر صوتاً، لكنه يقطع الظلام.”

تركتْه راحيل وهو يحدّق في الأفق حيث بدأت بشائر الفجر تلمع كخيوط فضية على حافة الجبال. شعر كالب أن المزمور لم يعد مجرد كلمات تُتلى، بل صار حقيقةً تعيش في زوايا المدينة: في ربابة الأعرج، في عيون الفتاة، في صبر الحارس المسنّ. “ليفعلوا نقمة في الشعوب، وتأديباً في القبائل.” النقمة ليست بالضرورة دماً وحديداً، بل هي دينونة الحق على الباطل، وانتصار الرحمة على القسوة، حتى لو بدا ذلك الانتصار خفياً كالبذرة تحت التراب. “ليقيّدوا ملوكهم بقيود، ووجهائهم بسلاسل من حديد.” القيود الحقيقية هي تلك التي يصنعها الظلم لنفسه، عندما يحسب القوي أن سلطانه أبدي، ثم يكتشف أن ريح العدل الإلهي تهبّ فجأة فتقوّض عروشه.

وأخيراً، “ليصنعوا بهم حكماً مكتوباً”. الحكم المكتوب. الكلمة التي لا تتبدل. الشهادة التي يسجّلها التاريخ الإلهي عن كل ظالم ومظلوم. هذا هو مجد جميع أتقيائه. المجد ليس تاجاً من ذهب، بل هو المشاركة في هذا الحكم العادل، في هذا الفرح الغامر الذي يجعل حتى الأسرّة في البيوت المتواضعة منصة لتسبيحات النصر.

صعد الفجر، وامتلأت الساحة أسفل السور بحركة الباعة المبكّرين. نظر كالب إليهم وهم يهيئون بضائعهم، وسمع همسات السلام تنتقل بينهم. في صدره، كان المزمور بأكمله يترنّم كأنشودة لا تنتهي. غناء جديد فعلاً، ولد من رحم الاختبار، من لمسة الخلاص في الحياة اليومية. سبحوا الرب. نعم، ليسبحه كل من عرف أن النعمة هي سيفه، وأن الترتيل هو سلاحه، وأن الفرح في الرب هو حصنه المنيع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *