كانت أمي تشبه الفجر الدافيء الذي يولد من أحشاء الظلام. لم تكن جمالاً يُحدّق فيه، بل حياةً تُعاش. أتذكر وجهها في ضوء مصباح الزيت، وهو ينحني على قطعة قماش، إبرتها تنساب كأنها خيط من نور. كانت أصابعها تحمل تاريخاً من العمل: تشققاتٌ صغيرة كخرائط أنهار مجهولة، وصلابة في راحة اليد تروي قصة سنوات من العجن والحياكة والزراعة.
كانت تبدأ يومها قبل أن يصل نداء المؤذن لصلاة الفجر. أسمع حفيف ثيابها في الظلام، ثم صوت إشعال النار في الموقد. رائحة القمح المحمص تملأ البيت قبل أن أفتح عينيّ. كانت تعمل في صمت، وكأن صمتها هذا هو لغة أخرى للحكمة.
لم تكن تدير بيتنا فحسب، بل كانت تشرف على حقل صغير من الزيتون والعدس. رأيتها مرة تتفاوض مع بائع بذار من الرها. كانت تتكلم بلغة الأرقام والمحصول بفطنة تذهل الرجال. أعطته ثمن البذور وزيادة قليلة قائلة: “خذ هذه القليل لأطفالك. التجارة شَركة، والرب يُبارك في ما تبقى في اليد لا في ما تذهب إليه”. عاد الرجل بعد موسم الحصاد حاملاً هدية من السمن البلدي، صار بعدها وكيلاً لأقمشتها التي تصنعها في بيتنا.
أقمشتها… كانت أعجوبة. لم تكن مجرد صوف مصبوغ، بل كانت قصصاً. كانت تخلط الألوان بعين فنانة: أحمر قرمزي تستخرجه من نبتة السرغين، وأزرق غامق من نبات الوسمة. كانت تقول وهي تغزل: “كل لون له صوت، وعلينا أن نتعلم سماعه”. عندما تلبس نساء الحي ثياباً من صنعها، كنّ يقلن: “هذه ثياب مباركة”. كنّ يشعرن أن فيها شيئاً من دفء يديها، ومن صبرها الذي لا ينفد.
في الشتاء القارس، حيث تضرب الرياح كالأمواج، كانت تُعدّ عباءات ثقيلة للفقراء. لا تنتظر أن يسألوا. كانت تعرف العوز في عيونهم قبل أن يتلفظوا به. قالت لي مرة: “الخوف من الرب يبدأ عندما ترى وجهه في وجه الجائع”. كانت تعطي بلا ضجيج، وكأن العطاء هو تنفس طبيعي للروح.
لكن قوتها الحقيقية كانت في قلعة روحها. مرّت أيام عصيبة، حين مرض أخي الصغير، وجفت البئر، وفشل الموسم. رأيت أبي يحملق في الفراغ، مثقلاً كشجرة تحت وطأة الثلج. أما هي، فلم تفقد رزانتها. كانت تصلي في زاوية البيت، ثم تقوم للعمل. كان صمودها صلاةً أخرى. كانت تردد: “الرب قوتي وحصني”. ولم تكن الكلمات مجرد ترنيمة، بل كان إيماناً عارياً، صلباً كجذع السنديان.
أمسيات الشتاء الطويلة، كنا نجتمع حول المدفأة. كانت تقرأ من المزامير بصوت هادئ كالماء الذي يتسلل بين الحصى. صوتها يحملنا إلى عالم آخر، إلى يقين لا تهزه رياح الدنيا. كانت تفسر لنا الأمثال ليس بالكلام فقط، بل بحياتها. “فمها تفتحه بالحكمة” كان يعني أنها تعرف متى تتكلم ومتى تصمت. وعندما تتكلم، كانت كلماتها كالعسل، تشفي وتُغذي.
الآن، وقد رحلت إلى حيث لا وجع ولا تعب، أرى سفر الأمثال وكأنه نسيج حيّ من ذاكرتي. كل آية تذكرني بحكمة عملية عشتها. “قلب زوجها يثق بها” لم يكن مجرد مديح، بل كان واقعاً. كان أبي يثق بها في كل شيء، لأن ثقته كانت مبنية على صخرة إخلاصها اليومي.
عندما يقترب المساء، وأرى بناتي يخبزن أو يخيطن، أسمع صوتها في أذني: “الجمال يزول، والجمال الباطن في الرب لا يفنى”. كانت ترفض أن نمدح جمال عينيها، وتقول: “المديح الحقيقي هو ما تقوله الأيام عنك بعد رحيلك”.
هكذا كانت أمي. لم تكن “امرأة فاضلة” في كتاب، بل كانت حديقة غنّاء نما كل منا في ظلالها. كانت كلمات سليمان الحكيم تتنفس في بيتنا، تمشي على قدمين، تعجن الخبز، تزرع الحقل، تحتضن المريض، وتُمسح دموع اليتم. كانت التفسير الحي للأمثال. وعندما أغلق عيني، لا أرى آيات مكتوبة، بل أرى يدها الخشنة تمسك يدي، وصوتها الهادئ يهمس: “لا تخف. الرب أمين”. وهذا هو الإرث الذي لا يفنى.




