الكتاب المقدس

بئر النعمة والعطش الروحي

كان النهار يميل نحو الغروب، والغبار الذهبي للشمس المتكسرة يعلو سطوح المنازل الحجرية في القرية. كان عوبيد جالسًا على عتبة بيته، تنتابه تلك السكينة الثقيلة التي تأتي بعد محنة طويلة. كانت ذاكرته تعيد إليه صور السنوات العجاف، سنوات كان فيها الصمت بين الأرض والسماء كالصمت بين غريبين. سنوات الجفاف، والخوف الذي يتسلل كالضباب البارد إلى صدور الناس، وهم يحدقون في سحب لا تمطر سوى خيبة الأمل.

لكن شيئًا ما تغير. لم يكن تغيرًا دراماتيكيًا يهز الجبال، بل كان كالنسمة الأولى التي تشق طريقها في حقل ذابل. تذكر كيف وقف هو وأبناء قريته وكأنهم حطام سفينة انكسرت على شاطئ اليأس، وكيف بدأوا يتحدثون، ليس فقط عن نقص الماء، بل عن عطش آخر، أعمق، في أرواحهم. تذكر الصلوات التي كانت تخرج، في البداية، كهمسات جافة، ثم اكتسبت مع الأيام قوة وحرارة، كالنار التي تشتعل من تحت الرماد.

نهض عوبيد ومشى ببطء نحو البئر القديمة في وسط القرية. كانت يداّه ترتجفان قليلًا وهو يمد الدلو بحبلها المجدول. لسنوات، كان صوت ارتطام الدلو بالقاع الجاف يردد صدى الفراغ. لكن اليوم، وكان ذلك منذ أسبوع فقط، سمع صوتًا مختلفًا: صوت ارتطام بالماء. لم يكن صوتًا خفيفًا، بل كان غطسة ممتعة، ثقيلة، تعلن عن امتلاء. وعندما رفع الدلو، كانت المياه تلمع في آخر نور للشمس، نقية، باردة، تفيض على حافة الإناء.

شرب عوبيد ببطء، وترك البرودة تنساب في داخله كتذكار. عندها، ليس بصوت عالٍ، بل ككلمات تقال للقلب نفسه، بدأ يهمس: “أحمدك يا رب، لأنك غضبت عليّ، فعدلت عن غضبك و安慰تني”. لم تكن كلمات مكتسبة من كتاب، بل كانت نبعة من أعماقه، اعترافًا بأن المحنة لم تكن عبثًا، بل تذويبًا للنفوس، وتنقية لها. لقد كان الغضب – غضب السماء الظاهر في القحط – كالنار التي تخلص المعدن من شوائبه، وما عادت الآن سوى الراحة، والسلوان العميق.

التفت فوجد مجموعة من الجيران قد تجمعوا، وجوههم مضيئة بنور المصباح الزيتي الأول الذي أشعلته امرأة في نافذة قريبة. نظر إليهم وقال، وصوته أجش قليلاً من شدة الشعور: “هوذا الله خلاصي. أطمئن ولا أخاف، لأن يهوه عزّي وتسبيحي، وقد صار لي خلاصًا”. لم يقلها وعظًا، بل كإعلان بسيط، كما يعلن الرجل عن وجود نبع اكتشفه. رأى في عيونهم الومضة نفسها، الومضة التي تقول إن الخوف القديم من المجهول، من الغد، من الموت البطيء عطشًا، قد انكسر. لم يعد الرب قوة بعيدة توزع العقاب والثواب، بل صار “عزّي” – قوتي الداخلية التي لا تنكسر، و”تسبيحي” – مصدر الفرح الذي يفيض من الداخل حتى في غياب الأسباب الخارجية للفرح.

بدأت امرأة عجوز، تدعى حنّة، ترفع صوتها بترتيلة قديمة، كاد الناس ينسون لحنها. ثم انضم صوت آخر، ثم ثالث. لم يكونوا يغنون بقوة جوقة منظّمة، بل كان الغناء يرتفع وينخفض، يتوقف أحيانًا ثم يعود، كأنفاس شخص نجا من الغرق. كان التركيز: “تستقون ماءً بفرح من ينابيع الخلاص”. كانوا يشربون الماء الحقيقي من البئر، لكن الكلمات كانت تتحدث عن ينبوع آخر، ينبوع لا ينضب، اكتشفوه في علاقتهم مع الله الذي غفر وغسل وردّهم إليه.

في اليوم التالي، وقت الظهيرة، تجمع القرويون عند البئر مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم يأتوا ليملأوا جرّتهم فقط، بل أتوا كما يأتي الناس إلى العيد. تحدث عوبيد، ونظر إلى الوجوه التي عرفها طوال عمره، الوجوه التي حفر فيها القلق والجهد خطوطًا عميقة، وقال: “احمدوا الرب، ادعوا باسمه، عرّفوا بين الشعوب بأعماله. اذكروا أن اسمه قد تَعَلَّى”.

كانت الدعوة تتجاوز جدران القرية. لقد كان خلاصهم، رغم بساطته، رسالة. رسالة مفادها أن الرحمة موجودة، وأن الغضب الإلهي ليس نهاية، بل مقدمة لعودة أعمق. بدأوا يتحدثون عن “أعماله” – لا كمعجزات ضخمة، بل كتسلسل الأحداث: كيف قادهم العطش إلى الصلاة، وكيف قادتهم الصلاة إلى التوبة، وكيف قادتهم التوبة إلى هذا الارتواء، المادي والروحي. كان اسم الله “قد تعلى” – ليس بتجبر، بل بتواضع هذه النعمة التي لم يستحقوها، فجعلتهم يرفعونه من قلوبهم.

بدأ الأطفال يجرون بين الناس، وهم يحملون أكوابًا صغيرة من الماء البارد، يقدمونها لكل قادم. كانت حركتهم المرحة، وضحكاتهم، جزءًا من التسبيح. كتب عوبيد فيما بعد، على قطعة من الفخار، كلمات من ذلك اليوم: “رنموا للرب لأنه قد صنع عظائم. ليُعْل هذا في كل الأرض. اهتفوا واصرخوا يا ساكنة صهيون، لأن قدوس إسرائيل عظيم في وسطك”.

لم تكن “صهيون” بالنسبة لهم مدينة بعيدة من حجر، بل كانت هذه القرية، هذه الجماعة، قلوبهم التي صارت مسكنًا لله. قداسته لم تكن فكرة مجردة مخيفة، بل كانت عظمة محبة غامرة، كعظمة السماء الصافية فوق رؤوسهم، وكعظمة الماء الذي أعاد الحياة إلى كل شيء.

ومع مرور الأيام، صار البئر أكثر من مجرد مصدر ماء. صار مكانًا للقاء، للتذكر، للشكر. كان عوبيد، كلما مرّ به، يلمس حجره البارد بامتنان، ويذكر في قلبه كلمات الإشعياء، لا كآيات منفصلة، بل كأنشودة واحدة تروي قصة شعب عطش، فوجد من يرويه، ليس ليستمر في الحياة فقط، بل ليفرح، وليتسبح، وليخبر الآخرين أن الينبوع ما زال يفيض لكل عطشان.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *