كان الظلام يُرخي سدوله على مدينة بابل، وكان هوشع بن يفنة يجلس في حانوته الصغير المُطل على الزقاقة الضيقة. في يده اليمنى أزميل صغير، وفي يسراه قطعة من خشب السنديان. رائحة النشارة تفوح في المكان المليء بغبار الخشب والخشب غير المُنجز. كان هوشع نَحّات أصنام، يُتقن صنعتها كما تعلمها من أبيه وأبيه من أبيه. وكان اليوم مشغولاً بصنع تمثال للإله مردوخ، كبير آلهة بابل.
لم يكن هوشع رجلاً شريراً، بل كان حرفياً بارعاً يشعر بلذة غريبة وهو يحوّل الكتل الخشبية الجامدة إلى أشكال تُعبَد. لكن في أعماقه، في ذلك المكان الذي لا يجرؤ على زيارته إلا في لحظات السَّحَر، كان يسكن فراغٌ عميقٌ كالجبّ. كان يصنع الآلهة بيديه، ثم يسجد لها في المساء طالباً الراحة التي لا تأتي.
خرج إلى الشرفة الخشبية يتنفس هواء الليل الحار. كانت المدينة نائمة، لكن أضواء القصور البعيدة تلمع كعيون وحوش. سمع وهو واقف هناك صوتاً غريباً، صوت رجل يقرأ بصوت مرتفع لكنه حزين، قادماً من بيت مجاور لرجل من المسبيين، من أورشليم. كان الرجل يقرأ من درج قديم:
“وَأَمَّا الآنَ فَاسْمَعْ يَا يَعْقُوبُ عَبْدِي، وَيَا إِسْرَائِيلُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ. هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ صَانِعُكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الْبَطْنِ، مُعِينُكَ: لاَ تَخَفْ يَا عَبْدِي يَا يَعْقُوبُ وَيَا يُشْرُونَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ.”
وقف هوشع وكأن صاعقة قد نزلت عليه. الكلمات اخترقت الظلام ووصلت إلى قلبه بلا استئذان. “صانعك… جابلك من البطن.” نظر إلى يديه المُغبَّرتين، اليدين اللتين تصنعان الآلهة. من صنعه هو؟ من جبله؟ غاب صوته في حنجرته.
استمر الصوت يأتي عبر الليل: “لأَنِّي أَسْكُبُ مَاءً عَلَى الْعَطْشَانِ، وَسَوَائِلَ عَلَى الْيَبِسِ. أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى نَسْلِكَ، وَبَرَكَتِي عَلَى ذُرِّيَّتِكَ.”
الماء على العطشان؟ وهوشع كان يعرف العطش. عطش لا ترويه كل الأنهار، ولا تخمّره كل الخمور. عطش كان يسكنه منذ أن ماتت زوجته الشبابية، ورحل ابنه الوحيد مع الجيش، ولم يعد. دخل إلى حانوته، ولمس بيده المرتعشة تمثال مردوخ النصف مُنجز. العيون المصنوعة من الحجارة الكريمة كانت تلمع في ضوء المصباح الزيتي، بلا نظر، بلا حياة.
عاد إلى الشرفة، لكن الصوت كان قد انتقل إلى آية أخرى، آية جعلت جسد هوشع يقشعر: “يَصْنَعُونَ هَيْكَلًا بِشَكْلِ إِنْسَانٍ، كَجَمَالِ بَشَرٍ لِيَسْكُنَ فِي بَيْتٍ. يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ أَرْزًا، وَيَأْخُذُ بَلُّوطًا وَسِنْدِيَانًا، وَيُقَوِّي لِنَفْسِهِ بَيْنَ أَشْجَارِ الْغَابَةِ. يَغْرِسُ أَسَّةً وَالْمَطَرُ يُنْمِيهِ. فَيَكُونُ لِلإِنْسَانِ إِيقَادًا. وَيَأْخُذُ مِنْهُ وَيَسْتَدْفِئُ. وَيُشْعِلُ أَيْضًا وَيَخْبِزُ خُبْزًا. وَيَصْنَعُ إِلَهًا وَيَسْجُدُ. يَعْمَلُ مِنْهُ نِصْفَهُ وَبِالْبَاقِي يَطْبُخُ لَحْمًا.”
وصفٌ دقيقٌ مُرعبٌ! كأن الكاتب كان يراقبه هو شخصياً وهو يعمل. كيف يقطع الشجرة، ويستخدم نصفها لصنع الإله، والنصف الآخر… للوقود! للطبخ! سقطت على ركبتيه. كل حياته، كل إتقانه، كل السجود… كان سخيفاً إلى هذا الحد؟ إله يُصنع من بقايا نفس الخشب الذي يُشوى عليه اللحم؟
بقي هوشع على تلك الحالة حتى بزغ الفجر. وعندما دخل النور الباكر من النافذة، رأى تماثيله كلها بترتيبها: مردوخ، وعشتار، ونابو. رأى الجمال الصناعي، التفاصيل الدقيقة، طلاء الذهب على بعضها. لكنه لم يعد يرى آلهة. رأى فقط خشباً وحجارةاً ونحاساً. رآها… لأول مرة.
لم يذهب إلى السوق ذلك اليوم. أخذ درجاً قديماً كان قد جلبه له تاجر من فلسطين قبل سنوات، وكان مكتوباً بالعبرية التي يعرف قليلاً منها. بدأ يقرأ ببطء، بتردد. ووصل إلى الكلمات: “أَنَا أَوَّلٌ وَأَنَا آخِرٌ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرِي.” ثم الكلمات التي هزت كيانه: “لاَ تَخَفْ وَلاَ تَرْتَعِبْ. أَلَمْ أُخْبِرْكَ وَأُعْلِنْ لَكَ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ قَدِيمَةٍ؟ أَنْتُمْ شُهُودِي. هَلْ يُوجَدُ إِلَهٌ غَيْرِي؟ وَلاَ صَخْرَةٌ لَمْ أَعْرِفْهَا.”
“لا تَخَف”. هو الذي كان يخاف كل شيء: خاف من الغرباء، خاف من جنود الملك، خاف من المستقبل، خاف من الموت، خاف من فراغ قلبه. والشهادة؟ هو الذي كان شاهد زور طوال عمره، يشهد بأن هذه القطع الخشبية هي آلهة!
أغلق الحانوت. لمدة سبعة أيام، لم يخرج. جيرانه ظنوه مريضاً. في اليوم الثامن، خرج وهو يحمل تماثيله كلها، ووضعها في عربة، وذهب بها إلى سوق الخشب. باعها كلها… كخشب فقط. لم يقل إنها أصنام. باعها لرجل يحتاج وقوداً لفرنه.
وبدأ هوشع يفعل شيئاً غريباً. بدأ يبحث عن رجال من المسبيين، من شعب إسرائيل. كان يستمع إليهم وهم يحدثون عن إلههم، عن الرب، عن مواعيده. وكانت الكلمات التي سمعها في تلك الليلة تعود إليه: “هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ لِكُورَشَ: أَنَا أُمْسِكُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَمًا… وَأَفْتَحُ أَمَامَهُ الْمَصَارِعَ.”
وكورش هذا، كان اسم أمير فارسي شاب، يتردد اسمه في الأخبار التي تأتي من الشرق. من يكون هذا الرجل الذي سماه نبي إسرائيل قبل أن يولد، وسماه “مسيحه”؟ العالم الذي عرفه هوشع، عالم بابل القوية الأبدية، بدا فجأة هشاً، مؤقتاً، كتمثال خشبي ينتظر النار.
لم يعد هوشع بن يفنة يصنع أصناماً. تعلم صناعة الأثاث المنزلي، المناضد، الكراسي، الصناديق. وفي كل قطعة كان يصنعها، كان ينقش بسرية شكل حمامة صغيرة، أو غصن زيتون. إشارة صامتة منه إلى الروح التي وُعد أن تُسكب، والماء على الأرض العطشى.
وفي أحد الأيام، عندما سمع أن كورش الفارسي قد دخل بابل منتصراً، وأنه أصدَر مرسوماً يسمح للمسبيين بالعودة إلى أورشليم، لم يندهش هوشع. نظر إلى السماء من نافذة حانوته الجديد، حيث كان يعمل على صنع منضدة لرجل فقير، وهمس بكلمات كان قد حفظها: “أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلَّ شَيْءٍ، نَاشِرُ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي، بَاسِطُ الأَرْضِ. مَنْ مَعِي؟”
كانت الإجابة تسكن في قلبه الآن، لا في يديه. وكان يعرف، لأول مرة في حياته، من صنعه.




