كان الجوُّ في أورشليم تلك الأيام حارّاً وكئيباً، كأنما السماء نفسها تُثقَلُ بهمومٍ لا تُحتمل. في حارةٍ ضيقةٍ قرب السور، حيث تتصاعدُ روائح الزيت المحروق والخشب الرطب، جلس حنانيا على عتبة بيته المُتهالك، ينظر إلى شارعٍ صاخبٍ بالحركة. كانت المدينة تغلي كما القدر على النار. من كل فجٍّ، كانت تصلُ أصوات الطرق على المعادن، وصيحات الباعة، وأناشيد غريبة مختلطة بدقّ الطبول.
كان حنانيا رجلاً قد تجاوز شبابه، وخطوط التجاعيد على جبهته كانت تحكي قصص سنواتٍ من التفكير والتأمل. في يده، لفافةٌ جلدية بالية. كان يقرأ، ثم يرفع عينيه ليحدق في المشهد أمامه. هناك، عند مدخل الساحة العامة، كان صانعو الأصنام ينشطون كالنمل. رأى بعينيه رجلاً يُدعى بِعال، من صيدا، وهو ينحت خشبَ سنديان بإزميلٍ حادّ. كانت الرائحة النفاذة لنشارة الخشب تملأ المكان. بجانبه، كان تلميذه يُلمعُ قطعةً من الفضة، يطرقها بدقةٍ لتصيرَ غطاءً لتمثالٍ صغير. “انظروا، هذا سيكون تمثال الإله القمري!” صاح أحدهم، وبدأ الناس يتجمهرون، وأعينهم تتلألأ بالرهبة والطمع.
تنهد حنانيا تنهيدة عميقة خرجت من أعماق صدره. أغمض عينيه للحظة، وكلمات الرب التي سمعها في قلبه تدقّ كجرسٍ ثقيل: “هكذا قال الرب: لا تتعلموا طريق الأمم، ومن آيات السماء لا ترتعبوا.” فتح عينيه ليرى الناس يحملون تمثالاً مغطى بقماشٍ أرجواني، في موكبٍ فيه هرجٌ ومرج. النساء يرقصن، والرجال يهتفون بأسماء آلهةٍ لا يعرفها. كان التمثال، الذي لم يره أحد بعد، موضوعاً على منصةٍ خشبيةٍ مزينة بورق الذهب الرقيق.
نهض حنانيا، ومشى بخطواتٍ ثقيلة نحو الساحة. لم يكن صوته عالياً، لكن كلماته خرجت بثقل الحقيقة: “أيها الناس، اسمعوا! هذه الأصنام، أخشابٌ قُطعتْ من الوعر، صنعها نجارٌ بيدٍ بشرية. يُزيّنونها بالفضة والذهب، يشدّدونها بالمسامير حتى لا تتحرك.” توقف، ونظر إلى التمثال المغلف. “إنها كفزاعةٍ في خيارٍ، لا تتكلم، ولا تمشي. لا بدَّ أن تُحمل، لأنها لا تسير بنفسها. لا تخافوا منها، فهي لا تضر، ولا خيرَ فيها أبداً.”
ساد صمتٌ قصير، ثم انفجر ضحكٌ من جانب بِعال الصيدوني. “يا حنانيا، أتُريد أن تحرمنا من رزقنا؟ ومن أين لنا بالبركة والحماية إن لم نصنع لنا آلهةً نراها؟” ولكن كلمات حنانيا استمرت، تتسلل إلى آذان البعض ممن كانت قلوبهم قلقة. وصف لهم الرب، الإله الحقيقي: “ليس مثل هؤلاء نصيب يعقوب، لأنه مصوِّر الكل… عند غضبه ترتعد الأرض، ولا تقف الأمم عند سخطه.”
عاد حنانيا إلى عتبة بيته مع غروب الشمس، وهو يشعر بتعبٍ يخالطه حزنٌ عميق. في الليل، بينما كانت المدينة تغطّ في نومٍ مضطربٍ، جلس تحت سماءٍ صافيةٍ تناثرت فيها النجوم كاللآلئ. نظر إلى الأعلى، وتذكر: “قولوا لهم: الآلهة التي لم تصنع السماوات والأرض تبيد من الأرض ومن تحت هذه السماوات.” كان الفرق بين الخالق والمخلوق واضحاً كالفرق بين هذا الكون الواسع، وبين تلك الدمى المذهبة في الساحة.
في الأيام التالية، رأى حنانيا كيف أن العاصفة القادمة من الشمال، التي تنبأ عنها الرب، لم تكن مجرد كلمات. بدأت أنباء الغزوات تصل، همسات الخوف تتحول إلى صراخ. ورأى الناس، في ذعرهم، يمسكون بأصنامهم الخشبية والفضية، يلوذون بها، ولكنها كانت صماء بكماء، عاجزة عن الإجابة. عندها فقط، بدأ البعض يتذكرون كلمات الرجل الحزين على عتبة بيته. لكن الوقت كان قد داهَمَهم.
جلس حنانيا في آخر الأمر، وأخذ قلمه ولفافته، وكتب بكلماتٍ ملتهبةٍ بالحزن والأمل معاً: “يا رب، قد عرفت أن طريق الإنسان ليس له، ليس لإنسانٍ يمشي أن يهدي خطواته.” كانت صرخة اعترافٍ بعجز البشر، واستسلامٍ لحكمة الله التي لا تُدرك. وعلم في أعماقه أن خلاص يهوذا لن يأتي من تمثالٍ مغطى بالذهب، ولا من حرصٍ بشري، بل من التوبة والعودة إلى الرب، الذي يمسك الكل بكلمة قدرته، والذي وحده يستحق السجود.




