الكتاب المقدس

نسر وعهد وكرمة

كان الهواء في وادي نهر الخابور ثقيلاً وكأنه قطعة صوف رطبة. لم تكن حرارة الظهيرة هي التي أثقلت كاهل حزقيال، بل ذلك الصمت المطبق الذي يسبق الكلمة. جلست عليه روح الرب، كما تجلس النسر على عشه في علو الصخر، غير عابئة بالضباب الذي يلفّ السهول. ثم انفتحت السموات، ليس بصرخة، بل كتمتمة طويلة، وكأن الوجود نفسه يهمس بسر.

رأى، في قرارة قلبه، نسراً عظيماً. لم يكن نسر رسوم الجدران، بل كان كائناً من نور وظل، بجناحين كالسحاب المظلم. جاء إلى لبنان وأخذ فرعاً من قمة الأرز. لم يقتلعه بعنف، بل قطفه كما يقطف القاطف ثمرة ناضجة. حمله إلى أرض تجارة، إلى مدينة كثيرة الأموال، وضعه في حقل للبذور. وكأن النسر يقول: “هنا، في تربة الغرباء، ستنمو شجرتك.”

ثم أخذ النسر من بذور الأرض نفسها، من تلك التربة الغنية، وزرعها عند مياه كثيرة. وضعها كنبتة صفصاف، تحب الجريان وتتشبث بالضفاف. فنبتت وأصبحت كرمة دنيئة، ممتدة فروعها نحو النسر الذي زرعها، وجذورها تحته، تبحث عن مائه. كانت كرمة خضراء، واعدة، لكنها منحنية، لا تنظر إلى الشمس، بل تنظر إلى الذي غرسها.

لكن ثمّة نسر آخر. أصغر، بجناحين ملونين كألوان الغروب، صوته نداء من بعيد. أدارت الكرمة رأسها، أو قل أدارت عروقها نحوه. وبدأت، في غباء الطمع، بمدّ فروعها نحوه أيضاً، طالبة ماءه، وهي مغروسة عند المياه الأولى! نسيَت يد الذي غرسها، نسيت التربة التي أُخذت منها. فهل تنجح؟ هل ينتزعها هذا النسر الثاني من جذورها؟ هل تُرى تُفلح بعد أن خانَت عهد الغرس الأول؟

هنا انتهت الرؤيا. بقي حزقيال في مكانه، والعرق البارد يتساقط على جبينه. كان المثل واضحاً كخنجر، لكن شفرة الخنجر كانت موجّهة إلى قلبه أولاً، قبل أن تكون لشعب في المنفى. فهم أن النسر العظيم هو ملك بابل، نبوخذنصر، الذي اقتلع يهوياكين الملك من أورشليم مثل فرع أرز، وساقه إلى بابل. والأرض التي غُرست فيها البذور هي الملك صدقيا، العميل الذي نصبه نبوخذنصر. كان عهداً، وكانت يمين. وكانت الكرمة، صدقيا، قد نبتت تحت حماية بابل، ثم التفتت، بجشع أعمى، نحو نسر آخر: مصر الفرعون، طالبة منه الخلاص.

بعد أيام، بينما كان يجلس عند النهر، أتته الكلمة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت حزقيال نفسه. أمره الرب أن يروي القصة للسبي، كلهم، بكل تفاصيلها. وأن ينهيها بالسؤال القاسي: “أتُرى تنجح؟ هل يفلح من يفعل هذا؟ أينجوا إذا نكث عهده؟”

ثم، كمن يرفع الستار عن النهاية منذ البداية، أعلن الرب القضاء: “حي أنا، يقول السيد الرب، إنه في مكان الملك الذي ملكه، الذي احتقر يمينه ونقض عهده، هناك، في وسط بابل، يموت. ولا بجيش عظيم، ولا في معركة مشرفة، بل يأسره الملك الذي خانه، ويجلب عليه دينونة. وجيوشه تتبدد، والمنشقون معه يسقطون بالسيف. ويبقى هو، عارياً من الملك، عارياً من النصر، حتى يعلم أني أنا الرب تكلمت.”

لكن القصة لم تنتهِ عند حدود الدمار. فبعد سرد الوعيد، تحوّل الصوت إلى نغمة مختلفة، كأنفاس الفجر بعد ليلة عاصفة. قال الرب، كمن يغرس بذرة في رماد الحريق: “وأنا آخذ أنا نفسي، فرعاً من قمة الأرز العالي، من أعلاه أغصن. وأقطف غصنًا طريًا، وأغرسه أنا على جبل عالٍ شاهق. على جبل إسرائيل العالي أغرسه، فيحمل أغصاناً ويصنع ثمراً، ويصير أرزاً جليلاً. وتحته يسكن كل طير، كل ذي جناح. في ظل أغصانه تسكن. وتعلم جميع أشجار الحقل أني أنا الرب. أذلّ الشجرة العالية، وأرفع الشجرة الدنيئة. أُيبس الشجرة الخضراء، وأُخضر الشجرة اليابسة. أنا الرب تكلمت وفعلت.”

جلس حزقيال طويلاً بعد ذلك. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتحولت مياه الخابور إلى ذهب سائل. رأى في عين بصيرته ذلك الغصن الطري، ليس صدقيا الجبان، ولا يهوياكين المنفي، بل غصن آخر. ملك آتٍ، يغرسه الرب بنفسه على جبل صهيون. شجرة عدل، ظلها يغطي العالم، وفروعها تحمل رجاءً لا ينكث. وكان يعلم أن القصة التي بدأت بنسر غاشم، ستختتم بغصن رحيم. وأن دينونة الرب، على شدتها، هي فقط الأرض المحروقة التي تصلح لزرع رحمته.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *