الكتاب المقدس

صرخات في صمت السامرة

كان الغروب يُلقي بظلاله الطويلة على سهل السامرة، والهواء يحمل رائحة تراب جاف لم تمسه مطر منذ شهور. كان إيليان العجوز يجلس على حجر بائد قرب بئر القرية، عيناه الشاحبتان تتأملان الأفق حيث تحولت سماء الصيف إلى درجات من الأرجواني والقرمزي. كانت يداه المتجعدتان تمسكان بعصا من خشب الزيتون، وكأنها تبحث عن نقطة اتكاء في عالم يترنح.

تذكر أياماً لم تكن كذلك. أياماً كانت الحقول تمتلئ خضرة، وينتظر الناس موسم الحصاد وهم يرددون أغاني الشكر للآلهة التي عبدوها في بيت إيل ودمشق. ولكن الآن، حتى الطيور اختفت من السماء. وكان الصمت ثقيلاً، مكتظاً بذكريات صرخات لم يسمعها أحد.

“يا إيليان، أتعلم لماذا جفت آبارنا؟” سأله شابٌ مرّ به في عجلة.

رفع العجوز رأسه ببطء، ونظر إلى السماء الخالية من السحب. “الجفاف ليس عقاباً، بل هو صرخة”، همس بصوته المتهدج. “كانت أول صرخة. أتذكر ذلك الربيع حين فاحت رائحة العفن فجأةً في الهواء. لم تكن رائحة موت عادي، بل كانت كأن الأرض تتقيأ غضباً. الزرع الذي اعتدنا حصاده أصبح رماداً في أفواهنا. ذهبنا إلى المذابح، نذبح خرفاناً أكثر، نحرق بخوراً أغلى. لكننا لم ننتبه إلى الصرخة.”

كانت عيناه تحدقان في الفراغ وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون. “ثم جاءت الضربة الثانية. يا رب، تلك الحشرات! لم تكن جراداً عادياً، بل كان غطاء أسود يزحف على كل ما هو أخضر. كان صغارنا يصرخون من الخوف، وكبارنا يهربون إلى المدن. أكلت كل شيء. تركت الأرض عارية، كجثة ممتدة تحت الشمس. وذهبنا إلى الأعياد، رافعين أكواب الخمر، نغني للعجل الذهبي. كنا نعتقد أن الكثرة تغفر الإثم.”

سعل إيليان سعلة عميقة، ومسح ذراعه على جبينه المتعرق. “وبعدها، حدث الأمر الذي لا ينسى. الوباء. مات الشباب الأقوياء كما يموت العشب تحت النار. كانت رائحة الموت في كل زاوية. نساء تبكي على أولادهن في الطرقات، ورجال يدفنون أبناءهم بوجوه لا تعرف البكاء بعد. حتى الحيوانات نفقَت. وكانت الصرخة الثالثة. لكن آذاننا كانت قد تصلبت.”

قام العجوز ببطء، متكئاً على عصاه، وتوجه نحو بيت صغير من الحجر. على عتبة الباب، توقف وأدار وجهه نحو المكان الذي كان قصر الملك يلمع فيه في الأفق البعيد. “وبعد كل هذا، جاءت الضربة التي هزت العظام. الزلزال. في منتصف الليل، وانفتحت الأرض كما لو أنها فم يريد أن يبتلع كل شيء. سقطت البيوت على رؤوس نيامها، وتحولت المعابد الفاخرة إلى ركام. كنا مثل أولئك الذين يهربون من السيف، لكن السيف كان في كل مكان. وكانت الصرخة الرابعة، والأصم وحده لم يسمع.”

دخل بيته الواطئ، حيث كانت صفيحة زيتون شحيحة تنتظره على المائدة. جلس، ولكن لم يمد يده للطعام. “واليوم”، قال لنفسه بصوت خافت كحفيف الشجر الميت، “اليوم رأيت ما لم أره من قبل. رأيت مدينة عظيمة تحترق. ليس بنار من الأرض، بل بنار من السماء. رأيت الدخان يصعد كأنه ذبيحة كريهة. كانوا يقولون: إنها مدن الأعداء. ولكن النار لا تميز بين مقدس ودنس عندما تكون القلوب كلها قد فسدت.”

أطفأ مصباح الزيت الضعيف، وجلس في الظلمة. في الصمت، سمع صوتاً كأنه هبوب ريح بعيدة، ليس بريح الشمال أو الجنوب، بل كصوت سحق حجارة على حجارة. تذكر كلمات ذلك الراعي القادم من الجنوب، عاموس، الذي وقف في ساحة المدينة قبل سنين يصرخ بكلمات لم يرددها أحد: “هكذا قال الرب: أعطيتكم نقصاً في الخبز في كل مدنكم، ومنعتم عن التوبة. أمسكت عنكم المطر، ومنعتم عن التوبة. ضربتكم باللفح واليباس، فلم ترجعوا إلي. أرسلت عليكم الوبأ، فلم ترجعوا إلي. قلبت عليكم زيادق كقلب سدوم، فلم ترجعوا إلي.”

في الظلمة، انحنى الرجل العجوز، وجبهته تلمس الأرض الباردة. لم تكن صلاة، بل كان اعترافاً بصمت. لأنه أدرك أخيراً أن كل تلك الصرخات لم تكن لتدمر، بل لتدعو. ولكن عندما تصير القلوب حجارة، حتى صوت الرعد يصبح همساً لا يُسمع.

وفي الخارج، كانت النجوم تلمع في سماء صافية، باردة، وكأنها عيون لا تطرف، تنتظر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *