الكتاب المقدس

العودة من العزلة

كان اليوم جليدياً في قرية تقع عند سفوح الجبل. لم يكن برد الشتاء هو ما جعل أورياف، النجار، يرتعد في ورشته الصغيرة، بل شيء آخر.. شعور غامض بالضعف ألمّ به مع الفجر. تذكر وهو يضع قطعة الخشب جانباً أن ذلك الإفراز الغريب قد عاد مرة أخرى. لم يكن دماً، بل سائلاً شفافاً يبلل ثيابه من وقت لآخر دون أن يدعو له أو يسيطر عليه. تنهد وهو يربط حزامه. كان يعرف ما يعنيه هذا. لم تكن المرة الأولى.

خرج من الورشة، ونسيم الصباح البارد لامس وجهه. في الطريق إلى بيته، كان يتجنب لمس أي شخص. مرّ بصديقه العتيق، شامير، الذي رفع يده للتحية، لكن أورياف اكتفى بهز رأسه بابتسامة حزينة، مبقياً يديه متشابكتين على صدره. فهم شامير فجأة، فأنزل يده ببطء، وعيناه تعكسان معرفة ممزوجة بالشفقة. لم تكن شفقة من نظرة دونية، بل كانت شفقة على العزلة التي يعرفها الجميع. كانت الشريعة واضحة كضوء النهار: “كل من خرج منه سيل، فهو نجس”.

البيت كان هادئاً. زوجته، ليئة، كانت تعدّ خبز الصباح على الصاج. نظرت إليه عند دخوله، وعيناها تسألان قبل لسانها. همس قائلاً: “عاد، يا ليئة”. أطرقت رأسها للحظة، ثم نهضت بجهد ظاهر. بدأت على الفور. كل شيء يلمسه يصبح نجساً. الكرسي الذي جلس عليه يجب أن يُغسل. الأرض التي مشى عليها يحتاج أن يرش عليها ماء، بل ويجب أن تغسل ثيابه كلها. وإذا لمس أي إنسان دون أن يغتسل، فإن ذلك الإنسان يصبح نجساً إلى المساء. كانت الشريعة دقيقة، صارمة، كجرس ينذر بالخطر لتحذير المجتمع من انتشار الدنس.

في ذلك اليوم، لم يستطع أورياف أن يعمل. جلوسه في زاوية من البيت، يشاهد العالم من نافذة صغيرة. رأى الأطفال يلعبون في الساحة، ورأى الجيران يتجاذبون أطراف الحديث. وكان يشعر كأنه في قفص غير مرئي. النجاسة هنا لم تكن وصمة عار أخلاقية، بل كانت حالة طقسية تشبه التحذير من مرض معد، لكنها أعمق. كانت تذكيراً للكل بأن الخلل، ولو كان عضوياً بحتاً، يجعلك منفصلاً عن جماعة العبادة، عن القدسية.

وفي اليوم السابع، توقف السيل. انتظر أورياف حتى غروب الشمس، ثم بدأت الطقوس. أمر الرب واضح: “ومتى طهر من سيله، يحسب له سبعة أيام أيام طهره، ويغسل ثيابه، ويغسل جسده بماء حي، فيكون طاهراً”. فجمع ثيابه التي ارتداها خلال أسبوع العزلة، وذهب إلى الجدول. الماء البارد كان قارساً، لكنه غسل جسده بإتقان، فرك كل جزء كما لو كان يزيل طبقة من التراب القديم. ثم غسل ثيابه، دلك القماش الخشن على الصخور حتى ابيضت خيوطه تقريباً.

لكن الطهارة لم تكتمل بعد. في اليوم الثامن، عليه أن يأتي بتقدمة. ذهب إلى القطيع واختار حمامتين صغيرتين، أو فرخي حمام. ذهب بهما إلى خيمة الاجتماع، إلى باب الكهنة. كان قلبه يخفق. الكاهن، رجل طاعن في السن بعينين حكيمتين، استقبله بهدوء. لم تكن هناك نظرة احتقار، بل نظرة فهم لمأساة بشرية عامة. الكاهن يعرف أن هذه الشرائع ليست عقاباً، بل هي طريق العودة. أخذ الطيرين، ذبح أحدهما فوق إناء خزفي، ودمه يسيل. والآخر، جعله ذبيحة حية، غمسه في دم الذبيحة الأولى وماء الجدول، ورشّ على أورياف سبع مرات. ثم أطلق الطير الحي ليطير في الحقل. وكانت هذه المراسم كلها صورة ملموسة: التطهير بالدم والماء، وإطلاق السراح، وإزالة النجاسة.

عاد أورياف إلى بيته في المساء. دخل، ولم تتراجع ليئة هذه المرة. لمس يدها، فابتسمت. جلس على كرسيه، ولم يعد الكرسي بحاجة إلى غسل. أكل من الطعام الذي لمسته يداها. في تلك اللحظة، فهم معنى كلمة “طاهر”. لم تكن نقاوة جسدية فحسب، بل كانت إعادة انتماء. كانت العودة إلى الدفء البشري، إلى حياة الجماعة، إلى إمكانية الاقتراب من المقدس.

ونظر من النافذة ذاتها، ورأى النجوم تبدأ في الظهور. تذكر كلمات الشريعة: “وتنزهوا بني إسرائيل من نجاستهم، فلا يموتون في نجاستهم إذا دنّسوا مسكني الذي في وسطهم”. فكانت النجاسة، في عمقها، تحذيراً من الموت الروحي، من الانفصال النهائي عن مصدر الحياة. والتطهير كان نعمة، طريقاً مرسوماً بالدم والماء للعودة من العزلة إلى حضن الجماعة، ومن الدنس إلى النقاء، ومن الانفصال إلى القرب. وكان ذلك، في ذاك العصر الغابر، رحمة مقنعة بقوانين صارمة، لأن الرحمة المطلقة كانت تنتظر اكتمال الزمان.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *