الكتاب المقدس

رحمة في حقل العدل

كان الصباح يلفح وجوه الرجال بحرّه المبكر، حتى قبل أن تعلو الشمس فوق تلال يهوذا. وقف أليفاز عند حافة حقله، تلمع أذناه من ندى الفجر، وهو يتأبّط منجله الحاد. كان الجواد يرعى في الركن البعيد، وقد ترك له، كما كان يفعل كل سبت، زاوية من البرسيم لم يمسها. تذكّر كلمات موسى، ذلك الشيخ الذي عاد من الجبل بعيون تشع كنار، وهو يعلن عن قوانين جديدة: “ستة أيام تعمل، وفي اليوم السابع تريح، لكي يستريح ثورك وحمارك”.

لم يكن الأمر سهلاً على أليفاز. فالأرض جافة، والمواسم قاسية، وكل يوم عمل ضائع قد يعني نقصاً في القمح للشتاء. لكنه أدرك، شيئاً فشيئاً، أن تلك الراحة ليست عقاباً، بل نعمة. نعمة تذكّره أنه ليس عبداً للأرض، بل وكيلاً عليها. وأن الرب الذي منحه القوة للعمل، هو نفسه الذي يأمره بالتوقف، ليتذكّر من هو مصدر البركة الحقيقية.

وفي ظهيرة ذلك اليوم، بينما كان يستظل بشجرة سندب قديمة، رأى حمار عدوه، شاول، شارده، يتخبط في الأدغال. نُخَس قلب أليفاز. سنوات من الخصام حول قطعة أرض حدودية جعلت بين الرجلين سداً من الصمت. تردّد. سمع صوتاً داخلياً كصوت أبيه العجوز: “إذا لقيت ثور عدوك أو حماره شاردا تردّه إليه”. تنهّد. ثم نهض، وغاص بين الأشواك، وأمسك بخطام الحمار المتعب. قاده عبر الحقل، وطرق باب دار شاول.

فتح شاول الباب، وعيناه تضيآن بالريبة أولاً، ثم بالدهشة، وأخيراً ببصيص من شيء قديم كاد يندثر: الثقة. لم تبادلا كلمات كثيرة. لكن أليفاز، وهو يعود إلى حقله، شعر بخفة غريبة، كأن حملاً ثقيلاً أُزيح عن صدره. لقد أدرك أن العدل الإلهي لا يفصل بين العلاقة مع السماء والعلاقة مع الجار. فإرجاع الحمار لم يكن خدمة لشاول وحده، بل كانت طاعة لله الذي يرى كل شيء.

مرت المواسم. جاء عيد الحصاد. اجتمع أهل القرية في البيادر، والفرح يعانق الدخان المتصاعد من الذبائح. وقف الكاهن بينهم، صوته جهوري كهدير السيل في الوادي: “لا تذبح على خمير دم ذبيحتي”. تذكّر أليفاز زوجته وهي تعجن العجين في الفجر. الخمير، ذلك المخلوق الصغير الذي يخمر العجين كله، رمز للفساد والخطيئة القديمة. والدم، رمز الحياة المقدسة. لا يليق أن يختلطا. كانت الذبائح تذكّرهم بأن الاقتراب إلى القدوس يتطلب طهارة، وانفصالاً عن الفساد الذي اعتادت عليه قلوبهم.

وفي أحد الأيام، بينما كان أليفاز يسير في الطريق الترابي المؤدي إلى المدينة، رأى رجلاً غريباً. ملابسه مغبرة، وحذاؤه ممزق. توقفت قافلة تاجر غني بجواره، لكنها مضت في طريقها. تذكّر أليفاز الكلمات: “ولا تضطهد الغريب”. اقترب منه، وسقاه من قربته، ودعاه إلى بيته لتناول الطعام. تحدث الرجل بلغة ملتوية، وحكى عن رحلته الطويلة من الجنوب. استمع أليفاز إليه، وشعر بنفسه يتسع. لقد كان هو نفسه غريباً في أرض مصر ذات يوم. كانت الرحمة للغريب ليست مجرد وصية، بل هي ذكرى حية لنعمة الله عليه وعلى آبائه.

عندما شاخ أليفاز، وجلس تحت شجرة السندب نفسها، أحفاده حوله، كان يحكي لهم هذه القصص. لم يكن يحفظ النصوص حرفياً، بل كان يحكي حكايات عن الرحمة، وعن العدل الذي يمتد إلى البهائم، وعن الأعياد التي تربطهم بخالقهم وببعضهم، وعن التمسك بالحق حتى عندما يشهد الجميع ضد التيار.

كان يقول لهم: “لم يعطنا الرب هذه الشرائع لنثقل بها على أنفسنا، بل لنبني بها عالماً فيه نسمة من عدله، ورائحة من رحمته. فالحق ليس فكرة مجردة، بل هو أن ترد حمار عدوك، وأن تستريح أنت وعملك في السبت، وأن ترحم من هو في أرضك غريباً. هكذا نسير في الطريق، طريق البركة والحفظ، الذي وعده به الرب، وهو أمين”. وكان الصغار ينظرون إلى يديه المتجربتين، ويسمعون الحكمة في صوته الهادر، فيفهمون أن الإيمان ليس كلمات تقال في المحراب فقط، بل هو حياة تُعاش في الحقل، وعلى الطريق، وفي البيت، في كل تفصيل صغير وكبير.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *