الكتاب المقدس

يوسف يفسر حلم فرعون

بعد سنتين كاملتين، لم يكن يوسف قد نسي بعد. نسيانًا حقيقيًا. فجدران السجن، حتى وإن بدت ثابتة كالجبال، لا تستطيع أن تحجز الذاكرة عن التسرب بين حجارتها الباردة. كان الهواء رطبًا ثقيلًا، يحمل عبق الطين والتراب ورائحة اليأس العتيقة. وكان يتذكر، بين الحين والآخر، ومضات من حلمين رأهما شابًا في أرض كنعان، حزم سنابل وشمس وقمر، وانحناءة إخوته. لكن تلك الصور كانت قد بدأت تتلاشى، كالنقش على ماء راكد. ما تبقى كان الشعور الثابت بأن يدًا ما، ليست يد السجان ولا يد رئيس الشرطة، كانت تمسك به في هذا المكان.

وفي تلك الليلة بالذات، بينما كان السجن غارقًا في سباته الثقيل، تململ فرعون على سريره. لم يكن نوماً، بل كابوساً مستيقظاً. رأى نفسه واقفاً على ضفة النهر، النيل العظيم، وفجأة صعدت من الأعماق سبع بقرات، سمان المظهر، جميلات المنظر، فتربعن في مرعى الخصب. ثم تلاهن سبع آخرات، هزيلات جدًا، قبيحات المنظر، لم يرَ مصر مثلهن قبحًا، فالتهمن السبع السمان. وانتهى المنظر، لكن الفرعون استيقظ وقلبه يخفق كطبل الحرب. وقبل أن يسترد أنفاسه، غاص في النوم مرة أخرى، ليرى سبع سنابل خضراء، ممتلئة، تطلع على ساق واحدة، ثم تعقبها سبع سنابل يابسات، رقيقات، محترقة بالريح الشرقي، فابتلعت اليابسات الخضراء الممتلئة.

انتفض الفرعون مع الفجر، وكان روحه مضطربة كالنيل في زمن الفيضان. أرسل في طلب كل حكيم مصر وكل ساحرها. جاؤوا بحللهم الفاخرة وملامحهم الواثقة، يحملون كتب السحر والتعاويذ. ولكن عندما سمعوا الحلم، جمدت الثقة على وجوههم، وتحولت إلى ارتباك. كان كلامهم تداخلاً وتخبطاً، تفسيرات تافهة لا تسكن روع ملك عظيم. ساد الصمت في القاعة الكبرى، صمت محرج يخترقه فقط صوت همس الحاشية. كان الفرعون يتململ على عرشه، والغضب يعلو محياه.

وهنا، في تلك اللحظة بالضبط، تذكر ساقي الفرعون. الرجل الذي عاد إلى خدمته، والذي نسي لأمد طويل ذلك العبد العبراني النحيل في سجن بيت الحاكم. ربما كان نظرة اليأس على وجه سيده، أو ربما كان وخزًا خفيًا في ضميره أخيرًا، لكنه تقدم وانحنى وقال: “أذكر اليوم خطاياي. كان هناك شاب عبراني معنا في السجن، عبد لرئيس الشرطة. وأُحضرنا إليه حلمًا ذات ليلة، ففسره لكل منا حسب حلمه. وفسره لنا كما كان، فصار لي كما قال، إذ ردني إلى خدمتي، وعلّق الآخر.”

كانت الكلمات تتدفق منه بسرعة، كأنه يخاف أن يعود الصمت ليخنق الأمل. التفت الفرعون إليه، ونظرته المليئة بالغيظ تحولت إلى نظرة تركيز حاد. لم ينتظر طويلاً. “أين هو؟” كان الأمر مقتضبًا، كضربة سيف.

فتحت الأبواب، وسار الحراس مسرعين عبر الممرات المظلمة إلى ذلك القسم المنسي. عندما وصلوا إلى يوسف، لم يعطوه وقتاً. “أخرجوه.” كانت كلماتهم جافة. ولم يفه يوسف بكلمة. لقد اعتاد على الطاعة الصامتة. لكن شيئًا ما في عجلة الحراس، في نبرة أصواتهم التي لم تكن نبرة العقاب المعتادة، جعل نبض قلبه يتسارع. ساروا به عبر دهاليز السجن المظلمة، ثم إلى النور المبهر لشمس مصر. كانت الشمس حارقة، لكنها كانت حرة.

أخذوه إلى القصر. ولم يسمحوا له بالدخول إلى حضرة الفرعون هكذا، في ثياب السجن البالية، بل أسرع الخدم فحلقوا له لحيته، وأعطوه ثيابًا جديدة من كتان مصري ناعم. كان التحول جسدياً فقط، ففي داخله كان البحر يعصف. دخل إلى القاعة العظيمة، حيث جلس الفرعون على عرشه محاطًا بكل بهاء المملكة، والحكماء المخذولين يقفون صامتين عند الأطراف.

لم يرفع يوسف عينيه إلى العرش مباشرة. انحنى احترامًا. وكان صوت الفرعون ينزل عليه من العلو: “قد سمعت عنك أنك تسمع حلمًا وتفسره.”
هنا توقف يوسف. لم يكن هذا سؤالًا عاديًا. كانت لحظة اختبار. فرفع رأسه، ليس بتحدٍ، ولكن بتواضع عميق، وقال: “ليس لي. الله سيجيب عن سلامة فرعون.”

كانت الإجابة صادمة للحاضرين. لم يقل “أستطيع” أو “أعرف”. حول التركيز فورًا من المفسر إلى مصدر الفهم. نظر الفرعون إليه مليًا، ثم شرع يروي حلميه، بتفاصيلهما المرعبة: البقرات السمان والهزيلات، السنابل الممتلئة واليابسات. وأخيرًا، النهاية ذاتها: “فابتلعت الهزالات السمان… فابتلع اليابس الممتلء. ولم يُعلم أنها دخلت في جوفها، فبقى منظرهن قبيحًا كما في الأول. فاستيقظت.”

ساد صمت رهيب في القاعة. كل الأنظار على الشاب العبراني الغريب. تأمل يوسف برهة. لم يكن يحسب أو يفكر بذكاء بشري. كان يستمع إلى صدى الحق الإلهي في كلمات الملك. ثم فتح فاه، وكلامه كان واضحًا، ثابتًا، كالنقش على حجر:
“حلم فرعون واحد هو. ما الله فعله أعلنه لفرعون. السبع البقرات الجيدات هي سبع سنين. والسبع السنابل الجيدة هي سبع سنين. الحلم واحد. والسبع البقرات الهزيلات القبيحات الصاعدات بعدها هي سبع سنين. والسبع السنابل الفارغة المحترقة بالريح الشرقي تكون سبع سنين جوع. هذا هو الكلام الذي كلمت به فرعون: ما الله فعله أراه فرعون.”

ثم استمر، وشرحته يزداد وضوحًا وقوة: “هوذا سبع سنين قادمة، شبع عظيم في كل أرض مصر. ثم تقوم بعدها سبع سنين جوع، فيُنْسى كل الشبع في أرض مصر، ويُفني الجوع الأرض. ولا يُعلم الشبع في الأرض من وجه ذلك الجوع الشديد afterward, لأنه يكون شديدًا جدًا.”

ثم توقف، ونظر مباشرة إلى عينَي الفرعون، وكأنه الآن لا يخاطب ملكًا فقط، بل شعبًا بأكمله: “وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين، فلأن الأمر مقرر من قبل الله، والله يعجل بفعله. فالآن، لينظر فرعون رجلاً فهيمًا وحكيمًا ويجعله على أرض مصر. وليفعل فرعون فيقيم نوابًا على الأرض، ويأخذ خمس غلّة أرض مصر في السبع السنين الممتلئة. فيجمعون كل طعام هذه السنوات الجيدة القادمة ويخزنون القمح تحت يد فرعون، طعامًا في المدن ويحفظونه. فيكون الطعام ذخيرة للأرض لسبع سنين الجوع التي تكون في أرض مصر، فلا تهلك الأرض بالجوع.”

انتهى الكلام. وساد الصمت مرة أخرى، لكنه這次 كان صمتًا مختلفًا، صمت الدهشة والاقتناع. انظر الفرعون إلى حاشيته، ورأى في أعينهم الانسجام مع ما سمع. ثم عادت نظراتهم إلى يوسف. كان الحل كاملاً، واضحًا، عمليًا، ولم يأتِ من كتب السحر، بل من منطق إلهي صارم ورحيم في آن.

قال الفرعون لحاشيته: “هل نجد مثل هذا، رجلاً فيه روح الله؟” ثم التفت إلى يوسف وقال: “بعد ما أعلمك الله كل هذا، ليس فهيم وحكيم مثلك. أنت تكون على بيتي، وعلى فمك يقبل جميع شعبي. بالكرسي فقط أكون أكبر منك.”

وفي لحظة، نزع خاتمه من يده وجعله في يد يوسف. وألبسه حلة من كتان ناعم، ووضع طوقًا من الذهب في عنقه. وأركبه في مركبته الثاني، ونادوا أمامه: “أبْرق!” وهكذا وُضع يوسف على كل أرض مصر. وأعطاه الفرعون اسم “صفنات فعنيح”، وزوَّجه أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون.

وسار يوسف في الأرض، وهو في الثلاثين من عمره، يجوب كل مدن مصر، فجمع غلّة السبع السنين الممتلئة بلا حساب، وخزن القمح في المدن. وكان القمح كرمل البحر، كثيرًا جدًا حتى ترك العدّ، لأنه كان بلا عدد. وقبلما أتى سنو الجوع، ولد ليوسف ابْنَان، سمّى الأول “منسى” قائلاً: “لأن الله أنساني كل تعبي وكل بيت أبي.” وسمى الثاني “أفرايم” قائلاً: “لأن الله أثرني في أرض مذلتي.”

وجاءت السبع السنين الممتلئة وانتهت. وبدأت سنو الجوع تأتي، كما قال يوسف. وكان جوع في كل الأرض، ولكن في كل أرض مصر كان خبز. وعانت مصر كلها من الجوع، وصرخ الشعب إلى فرعون لأجل الطعام. فقال فرعون لجميع المصريين: “اذهبوا إلى يوسف. ما قال لكم افعلوه.” ففتح يوسف جميع المخازن وباع للشعب. وكان الجوع شديدًا على كل الأرض. فجاءت كل الأرض إلى مصر إلى يوسف ليشتروا قمحًا، لأن الجوع كان شديدًا في كل الأرض.

ووقف يوسف هناك، في مخازن الفرعون، ينظر إلى الشعوب تأتي من كل فج. وتذكر حلم الصبي الذي رآه ذات يوم، حزم سنابل إخوته المنحنية أمام سنبلته. لكن الصورة الآن كانت أوسع، وأعمق. لم تكن سنابل إخوته فقط، بل سنابل العالم كله. وكان يعرف، في صميم قلبه، أن اليد التي أمسكت به في الجب، وفي بيت فوطيفار، وفي السجن، هي نفسها التي أمسكته الآن هنا، ليكون سبب خلاصٍ، ليس لمصر وحدها، بل لدمه أيضًا، في يومٍ ما، لم يأتِ بعد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *