في قريَةٍ صغيرةٍ تَحتَ ظِلِّ جبالِ الشَّام، حيثُ يَعبقُ الهَواءُ برائحةِ زَيتونٍ قديمٍ وَغُبارِ الطُّرقاتِ الرَّومانيَّة، عاشَ رَجُلٌ اسمُهُ أَليآب. كانَ كَثيرَ الكَلِمِ، سَريعَ الخُصومةِ، تُشبِهُ عيناهُ جَمرَتينِ في وَجهٍ مُتَعَبٍ. في بَيتِهِ مِن طِينٍ وَحَجَرٍ، عِندَ مُنعَطَفِ الوادي، كَثيراً ما كانَ يَجلِسُ بَعدَ الغُروبِ وَهوَ يُراجِعُ خُطَبَهُ في المَجمَعِ، كَأنَّهُ يُحَضِّرُ لِمُحاكَمَةٍ لا تَنتهي.
ذاتَ يَومٍ، وَقَبَيلَ حَصادِ التِّينِ، اشتَبَكَ أَليآبُ مَعَ جارِهِ عَلى حَدٍّ بَينَ أرضَيهِما. صَرَخَتا وَتَلاَعَنا حَتَّى انتَثَرَتْ حُروفُ اللَّعْنِ مِثلَ شَوْكٍ في الهَواءِ. عادَ أَليآبُ إلى بَيتِهِ وَقَلبُهُ يَخْبِطُ كَمِطرَقَةٍ. رَأَتْهُ زَوجَتُهُ سَارَةُ وَهِيَ تَعرِفُ ذَلِكَ البَريقَ في عَينَيهِ. لَم تَقُلْ شَيئاً، بَلْ أَدارَتْ وَجهَها نَحوَ المَوضِدِ وَأَخذَتْ تَعرِكُ العَجينَ بِعُنفٍ صَامتٍ.
في تِلكَ اللَّيلةِ، لَم يَستَطِعْ أَن يُصَلّي. كَانتْ كَلِماتُ المَزاميرِ تَتَساقَطُ مِنْ شَفَتَيهِ كَحَصىً جافٍ. خَرَجَ إلى حَديقَتِهِ الصَّغيرةِ، حَيثُ تَنتَصِبُ شَجرَةُ زَيتونٍ عَجوزٌ. وَضَعَ جَبينَهُ عَلى جِذعِها الخَشِنِ، وَفَجأةً، كَأنَّ صَوتاً مِنْ أَعماقِ الأَرْضِ يَخترِقُهُ، تَذَكَّرَ كَلِماتٍ سَمِعَها قَبلَ حِقبَةٍ مِن وَجهِ شَيخٍ مَشِيَ في الطَّريقِ إلى أُورَشَليم: “مِن أَينَ تَأتي الحُروبُ وَالخُصوماتُ بَينَكُمْ؟ أَلَيسَتْ مِن لَذَّاتِكُمُ المُحارِبَةِ في أَعضائِكُمْ؟”
ارتَعَدَتْ يَداهُ. كَانتْ هذِهِ اللَّذَّةُ! لَذَّةُ الانتِصارِ في الجِدالِ. لَذَّةُ الظُّهورِ أَذكى. لَذَّةُ أنْ تَكونَ صَواباً وَيَكونَ العالَمُ كُلُّهُ خَطأً. رَأى نَفسَهُ فَجأةً كَتاجِرٍ في سوقِ المَشاحَناتِ، يَبتَاعُ الكِبرياءَ بِثَمَنِ سَلامِ بَيتِهِ. نَظَرَ إلى النَّجمِ القُطبيِّ وَهوَ يَلتَهِبُ في الظَّلامِ، فَهَمَسَ: “تَشتَهينَ وَلَيسَ عِندَكُمْ. تَقتُلونَ وَتَحسِدونَ وَلَيسَتْ عِندَكُمُ القُدرَةُ عَلَى الْنَيْلِ. تَخُوضونَ الحُروبَ وَلا تَمتَلِكونَ، لأَنَّكُمْ لا تَطلُبونَ.”
كَمْ طَلَبَ؟ كَمْ صَلَّى لأَجلِ غِنىً يَزيدُ، أَوْ لِكَلِمَةِ إِشادةٍ في المَجمَعِ، أَوْ لِانصِياعِ جارِهِ لِرَأيِهِ؟ كُلُّ طِلباتِهِ كانَتْ كَإِنسانٍ يُلَقِّنُ اللّٰهَ قائِمَةً بِمَشتَرياتِهِ. لَمْ يَطلُبْ قَطُّ لِكَي يُشبِعَ نَفسَهُ بِاللّٰهِ، بَلْ لِيَستَعمِلَ اللّٰهَ لِيُشبِعَ نَفسَهُ. اِنزَوَى في زاوِيَةِ الحَديقَةِ، وَبَينَما كانَ النَّدى يُبَلِّلُ رِداءَهُ، اِندَفَعَت دُموعُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ سِوى دُموعِ الغَضَبِ. كانَ يَبكي عَلى جَشَعِ رُوحِهِ.
في الصَّباحِ، قَبلَ أَن تَشرَقَ الشَّمسُ، مَشى إلى حُفرَةِ الصَّلاةِ الصَّغيرةِ الَّتي حَفَرَها أَبوهُ في الزَّاوِيَةِ الشَّماليَّةِ مِنَ الحَديقَةِ. كَانتْ مُهمَلةً، مَليئَةً بِأَوراقِ الخَريفِ اليابِسَةِ. بَدَأَ يَنزِعُها بِيَدَيهِ، حَجَراً حَجَراً، حَتَّى ظَهَرَتْ أَساساتُها. ثُمَّ اِتَّجَهَ نَحوَ بَيتِ جارِهِ. لَم يَدْخُلْ، وَلَم يُلْقِ خُطبَةً. رَأى الجارَ عَلى العَتَبَةِ يُصلِحُ مِحراثاً. مَشى نَحوَهُ، وَبَدونَ كَثيرِ كَلِماتٍ، أَخَذَ يَدُ العَتَبَةِ الخَشَبِيَّةِ وَرَفَعَها، مَفسِحاً المَجالَ لِلمَاشِيَةِ أَن تَعبُرَ إلى حَدِّهِ. لَم يَقُلْ “آسِفٌ”، لَأنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تَزِيدُ الوَقعَ ثِقلاً. لَم يَقُلْ شَيئاً. فَعَلَ فَقَط.
رَجَعَ إلى حُفرَةِ الصَّلاةِ، جَلَسَ فيها. لَم يَطلُبْ شَيئاً. لَم يَتَضَرَّعْ. بَسَطَ يَدَيهِ كَإِنسانٍ يُفرِغُ جَيبَيهِ مِن حَصىٍ ثَقيلٍ. كُلُّ ما في قَلبِهِ كانَ فَضَاءً فارِغاً، مُستَعِدّاً. سَمِعَ صَوتَ الرّيحِ في أَغصانِ الزَّيتونَةِ العَجوزِ، فَتَذَكَّرَ: “اِقرُبوا إلى اللّٰهِ فَيُقرُبَ إِلَيكُم.” كَانتْ هذِهِ هيَ الخُطوَةُ الأُولى: أَن يُقبِلَ، لا أَن يَصرُخَ. أَن يَتَوَاضَعَ، لا أَن يَتَعَظَّمَ. فَإِذا بِسُكونٍ غَريبٍ يَنزِلُ عَلَيهِ، لَيسَ سُكونَ الفَراغِ، بَلْ سُكونَ الحَضورِ. كَأنَّما يَدٌ دافِئَةٌ تَلمَسُ جَبينَهُ المُتَوَتِّرَ.
مَرَّتْ أَيّامٌ. كانَ يَجلِسُ كُلَّ غُروبٍ في تِلكَ الحُفرَةِ. ذاتَ مَساءٍ، وَهُوَ يَسمَعُ صَوتَ اِبنِهِ يَضحَكُ مَعَ اِبنِ الجارِ في الحُقولِ، أَحَسَّ بِغَيرَةٍ تَمُوجُ في صَدرِهِ. غَيرَةٍ مِن لَعِبِهِما، مِن سَذاجَتِهِما، مِن أَنَّهُما لَمْ تَصِلْ إِلَيهِما تِلكَ الأَسْقامُ الرُّوحيَّةُ بَعدَ. فَتَذَكَّرَ: “وَلكِنَّهُ يَمنَحُ نِعمَةً أَعظَمَ. لِذلِكَ يَقولُ: ‘يُقاوِمُ اللّٰهُ المُستَكبِرينَ، وَأَمَّا المُتَوَاضِعونَ فَيَمنَحُهُمُ النِّعمَةَ’.”
لَم يُحارِبِ الغَيرَةَ. أَسلَمَها. أَعرَفَها. قالَ: “نَعَم، هذِهِ غَيرَتي القَذِرَةُ. هَا أنا ذا.” وَكَأَنَّما اِنفَتَحَتْ سَحابَةٌ صَغيرةٌ في قَلبِهِ، فَنَزَلَ مَطَرٌ خَفيفٌ مِن سَلامٍ غَريبٍ. اِستَبدَلَ خُطَبَ الدِّينونَةِ بِسُكوتِ الاِستِماعِ. اِستَبدَلَ صَلاةَ الطَّلَبِ بِصَلاةِ الحَضورِ.
وَذاتَ يَومٍ، أَثناءَ اِجتِماعِ القَريَةِ لِتَقسيمِ ماءِ العَينِ، اِختَلَفَ الرِّجالُ. اِرتَفَعَتِ الأَصواتُ. اِتَّجَهَتْ أَنظارُ الكُلِّ نَحوَ أَليآبَ، كَما اعتادوا، لِيَبدَأَ هُوَ خُطبَتَهُ. تَنَحَّى خُطوَةً إِلى الوَراءِ. لَم يَقُلْ شَيئاً. بَدَأَ يَملَأُ جَرَّةً مِنَ الماءِ وَيَحمِلُها إِلى بَيتِ الأَرمَلَةِ عَتيقَةَ، الَّتي كانَتْ تَنتَظِرُ في الظِّلِّ. فَجأةً، خَمَدَتِ النِّيرانُ في أَعينِهِم. اِنحَلَّتِ الخُصومَةُ كَضَبابٍ في شُروقِ الشَّمسِ.
في المَساءِ، وَهُوَ يَسيرُ على الطَّريقِ المُغَبَّرِ، أَحَسَّ بِالفَرقِ. لَم يَكُنْ قَدْ حَصَلَ على شَيءٍ جَديدٍ. بَلْ خَسِرَ شَيئاً قَديماً: خَسِرَ تِلكَ الحَربَ الَّتي كانَ يُخوضُها في داخِلِ نَفسِهِ. وَفِي الخَسارَةِ وَجَدَ غِنىً لَم تَعرِفْهُ نَفسُهُ القَديمَةُ. لَم يَكُنِ السَّلامُ غَيبَةَ عَنِ الصِّراعِ، بَلْ كانَ سُكوناً في وَسَطِ الصِّراعِ، كَجِذعِ الزَّيتونَةِ اليابِسِ الَّذي يَظَلُّ راسِخاً وَإِنْ هَبَّتْ كُلُّ رِياحِ الشَّتاءِ.
وَعِندَما ماتَ أَليآبُ بَعدَ سَنَواتٍ كَثيرَةٍ، لَم يُنقَشْ على قَبرِهِ سِوى آيَةٍ واحِدَةٍ: “اِحزَنوا وَنُوحوا وَاِبْكُوا. لِتَتحَوَّلَ ضَحِكُتُكُمْ إلى حُزنٍ، وَفَرَحُكُمْ إلى غُمَّةٍ. اِتوَاضَعوا أَمامَ الرَّبِّ فَيُرفَعَكُم.” وَلَم يَعلَمْ أَحَدٌ أَنَّ هذِهِ الرِّفعَةَ الَّتي تَكلَّمَ عَنها، لَم تَكُنْ عَلى مِنَبَرٍ مِنْ خَشَبٍ، بَلْ في حُفرَةٍ مِنْ طِينٍ، حَيثُ تَعَلَّمَ أَخيراً أَنَّ اليَدَ المَفْتُوحَةَ الخالِيَةَ هِيَ وَحدَها الَّتي تَملَأُها النِّعمَةُ.




