الكتاب المقدس

اليقين في زمن الاضطراب

كان الجوّ في تسالونيكي ثقيلاً ذلك المساء، كأنّ الغبار المتصاعد من الطرقات الرومانية قد امتزج بهواء البحر فشكّل حجاباً شفّافاً يحجب النور عن القلوب. كان أليعازر، الشيخ الذي بقي من أيام بولس نفسه، جالساً في زاوية الدار المتواضعة حيث كان المؤمنون يجتمعون سراً. في يده الورقة المهترئة، رسالة بولس الثانية إليهم، وكانت تعابير الحيرة مرسومة على وجوه الحاضرين كالظلال الطويلة مع انحسار النهار.

“يخبرنا الأخوة من يهودا بأنّ يوم الربّ قد حضر،” قال شابٌّ بصوتٍ مرتجف، “وقد رأيتُ بعينيَّ الاضطراب في الوجوه، والارتعاش في الأيدي. البعض قد ترك عمله، وآخرون يتطلّعون إلى السماء في كلّ لحظة وكأنّهم ينتظرون صوت البوق.”

تنهّد أليعازر، ونظر عبر النافذة الضيقة إلى الأزقّة المُظلمة. تذكر كلمات بولس، كلمات كانت تتردّد في أذنه كما تردّد أمواج بحر إيجة على الشواطئ. “لا يخدعنّكم أحد على وجهة ما،” همس وهو يمسك الورقة بقوة أكبر، “لأنّه لا يأتي ذلك اليوم قبل أن يأتي الارتداد أولاً، ويُستعلن إنسان الخطيّة، ابن الهلاك.”

ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، ولم يُسمع سوى لهيب الفتيلة الصغيرة تتهاوى في زيت الزيتون. ثمّ شرع أليعازر يروي، ليس كمن يلقي عظة، بل كجدٍّ يحكي سيرة قديمة لأحفاده الجالسين حوله.

“هل تذكرون، يا أحبّتي، ما كنّا نقاسيه من اضطهاد؟ ما زلنا نقاسيه. لكن بولس حذّرنا من عدوٍ آخر، عدوٍ سيرتفع في وقتٍ معيّن، ليس من خارجنا فقط، بل من داخل حظيرة الحقّ نفسها. سيكون هناك قوة مُضلِّلة، قوة تصنع آياتٍ وعجائب كاذبة. سيكون هناك مَن يجلس في هيكل الله، مُظهراً نفسه أنّه إله.”

راح يصف، بكلماتٍ بسيطة لكنها عميقة، صورة ذلك الذي سيقاوم كلّ ما يُدعى إلهاً. وصف الغرور الذي سيتلبّسه، كالثوب الأرجواني الذي يرتديه القياصرة، لكنّه غرورٌ أعمى، غرور يظنّ أنّه يبني ملكوته على أنقاض السماء. وتكلّم عن السرّ الذي يعمل الآن في الخفاء، كالخميرة في العجين، سرّ الضلال الذي يعدّ الطريق لذلك الظهور الأخير.

“لكن لا تنسوا،” قال وصوته يعلو قليلاً، مشوباً بنبرة الرجاء التي لا تفارق المؤمن الحقيقي، “أنّ الربّ يسوع سيُبيده بنفخة فمه، ويبطله بظهور مجيئه. ذلك الذي ستأتي به أعمال الشيطان بقوةٍ وكَذِب، سيواجه وجه الحقيقة نفسها، نور المجد الذي لا يُحتمل.”

كانت عينا أليعازر تلمعان في الظلمة. ثمّ التفت إلى الشباب المذعورين وقال: “أمّا أنتم، أيها الإخوة الأحبّاء، فلم يُختركم الله للغضب، بل لاقتناء الخلاص. تمسّكوا بالتقاليد التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا. هو نفسه، ربّنا، يثبّتكم في كلّ عملٍ وكلمة صالحة.”

خرجوا من ذلك المكان وهم يحملون في صدورهم شيئاً جديداً. لم يكن مجرد تفسيرٍ لنصّ، بل كان لقاءً مع الحكمة التي تدرك أنّ التاريخ بين يديّ الله، وأنّ القلق لا يُجدي، بل الثبات في الإيمان والمحّة. نظر أحدهم إلى السماء المرصّعة بالنجوم، وتذكّر أنّ فوق كلّ قوة للشرّ، هناك يدٌ تمسك بكلّ شيء. وكان ذلك كافياً ليُكمل سيره في الليل، نحو بيته، نحو غده، بعزيمةٍ هادئة كالشموع التي لا تزال تضيء في بيوت المؤمنين، رغم كلّ ظلام العالم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *