الكتاب المقدس

ماء مريبة: العصا والصخرة

مرت أيام كثيرة في قيظ البرية، وكان الزمن ثقيلاً كالحجر على صدور بني إسرائيل. لم يكن الموت بعيداً عنهم، بل كان رفيقاً في ترحالهم، يخطف الكبير والصغير تحت شمس لا ترحم. وها هم الآن في برية تصن، في مكان يدعى قادش، وقد نضب الماء من قِربهم. لم يعد هناك شيء يبلُّ حلق الطفل الصارخ من العطش، ولا شيء يغسل عن أجساد الرجال غبار الطريق الملتصق بالعرق.

اجتمع الجمهور، كعادتهم عند الشدائد، ولكن هذه المرة كان التجمع أشبه بالغليان. لم يأتوا متوسلين، بل جاءوا ثائرين. وقفوا أمام موسى وهارون، وارتفعت أصواتهم مختلطة بالغضب والألم. “ليتنا فنينا فناء إخوتنا أمام الرب!” هكذا صاح أحدهم، وردد الآخرون: “لماذا أتيتم بجماعة الرب إلى هذه البرية لتموت فيها نحن ومواشينا؟”. نظر موسى إلى وجوه شعب مرهق، عيون غائرة، شفاه متشققة. لم يكونوا أعداء، بل كانوا شعبه الذين حملهم من ذل العبودية إلى كابوس التيه. لكن كلماتهم علقت في قلبه كشوكة. “ولماذا أصعدتمانا من مصر لتأتوا بنا إلى هذا المكان الرديء؟ ليس مكان زرع ولا تين ولا كرم ولا رمان، وليس ماء لشرب”.

انسحب موسى وهارون من مواجهة الحشد المتأجج، واتجها إلى باب خيمة الاجتماع. سقطا على وجوههما، ليس طمعاً في رؤية، بل لأن ثقل المسؤولية ومرارة الاتهام جعلتا الركبتين تفقدان قوتهما. في الصمت الثقيل، بين غبار الأرض ورائحة المسكن الجلدي، ظهر مجد الرب. كان حضوراً يملأ المكان رهبة وقداسة، لا يحتاج إلى نار أو سحاب هنا.

وكلم الرب موسى قائلاً: “خذ العصا، واجمع أنت وهارون الجماعة. وتكلما إلى الصخرة أمام أعينهم، فتعطي ماءها. وأخرج لهم ماء من الصخرة، فتشرب الجماعة ومواشيهم”.

نهض موسى، وأخذ العصا من أمام الرب، كما أُمر. خرج هو وهارون إلى الجماعة المتحلقة حول الخيمة، والعصا في يده. كان الجمع ينتظر، نظراتهم تتراوح بين التحدي والرجاء. ولكن شيئاً ما في قلب موسى كان قد تشرب مرارة كلامهم. نظر إليهم، ورأى التمرد والعناد أكثر مما رأى العطش والضعف. ارتفع صوته، ليس بصوت النبي المتلقي الوحي، بل بصوت القائد المغيظ الممتعض: “اسمعوا الآن أيها المتمردون! أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”.

في تلك اللحظة، لم يكن الكلام للشعب فقط. كان هناك تحدٍ آخر، غير منظور. رفع يده وأصدر حكماً، وضرب الصخرة بعصاه ضربتين. وكأنما انفجر جنب الجبل. انشقت الصخرة بصوت عظيم، وهدر الماء بغزارة لا تصدق، ينهمر كالنهر، يملأ الوادي، يتلألأ تحت أشعة الشمس الحارقة. اندفع الناس بكل ما فيهم من بقية قوة، يملأون كل وعاء، ويرتوون، ويسقون قطعانهم. كان معجزة باهرة، نعمة عظيمة في لحظة تمرد.

لكن في عين الرب، كانت هناك قصة أخرى. نادى الرب موسى وهارون: “من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها”.

سكنت الضجة، وارتوى الشعب. ولكن في قلب موسى، بدأ ينزل صقيع الحكم. كان الخطأ دقيقاً وعميقاً. لم تكن الضربتان بالعصا هي المشكلة في ذاتها، بل ما حملته من روح. لقد تحدث وكأن القدرة له، “أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟”. وضرب الصخرة في غضب، وكأنه يستعجل المعجزة أو يأمرها، لا ينفذ أمر الرب بتكلم لينة إلى الحجر. لقد حجب، بتصرفه وحديثه، قداسة الله. جعل النظرة إليهما، إلى القائدين الغاضبين، لا إلى الرب الذي يفيض بالرحمة حتى في لحظة التمرد. القداسة هي أن يظهر الله كما هو، رؤوفاً قدوساً، لا أن يظهر خدمه غاضبين متسلطين.

لم يجادل موسى. عرف ثقل الكلمات التي قالها، وعرف روح الضربة التي ضرب بها. كانت العقوبة قاسية، بعد كل هذه السنوات من التحمل، أن يرى الأرض من بعيد ولا يدخلها. لكنها كانت عدلاً إلهياً. القداسة ليست مجرد طقوس، بل هي دقة في تمثيل قلب الله أمام الناس. حتى للعطاشى المتمردين.

وسُميت تلك المياه “ماء مريبة”، لأن بني إسرائيل تجادلوا مع الرب، ولأنه أظهر قداسته هناك. وغادر موسى وهارون وجه الجماعة، وصوت الماء الجاري خلفهم يذكرهم بنعمة أغدقها الله، وحكمة قدوسة أخطأوا في حقها. كانت البرية لا تزال قاحلة، لكن الدرس كان أعمق من أي بئر. كان درساً في القداسة، يسقي القلب بطريقة أخرى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *