الكتاب المقدس

الحج إلى أورشليم

كان الصباح يتنفس بخفة على منحدرات الجليل، والندى لا يزال يعقد خيوطاً فضية على أوراق الكرْم. نهض مالكا من فراشه مبكراً، كما اعتاد كل أيام حياته، لكن اليوم كان مختلفاً. في الهواء رائحة قريبة من رائحة الخبز والفطير. تنهد بعمق وهو يربط حزامه الجلدي، ناظراً من فتحة الخيمة إلى ابنه البكر يهوذا، الذي كان يهيئ الحمير للسفر.

“الوقت ضيق يا أبي”، قال يهوذا دون أن يرفع عينيه عن شدّ الحبال.

“الأعياد لا تأتي بسرعة، يا بني. هي تنتظرنا كما تنتظر الأرض المطر”. رد مالكا بصوته الهادئ الممزوج ببحّة السنين.

كانت زوجته ليئة تعدّ الأكياس: دقيق وزيت، وقليل من التمر، وثياباً بيضاء نظيفة. حركت يديها بسرعة وبراعة، لكن عينيها كانتا تلتقيان بين الحين والآخر بعيني زوجها. في صمتهما كان حديث طويل. فهذه أول مرة سيصعد فيها يهوذا إلى أورشليم مع والده للحج. كان لا يزال فتى، لكن شاربه بدأ يظهر كظل خفيف على شفته العليا.

خرجوا مع شروق الشمس. كان الطريق وعراً في بدايته، يحف به أشجار الزيتون المثقلة بحبات سوداء لم تحن بعد ساعة قطافها. سار مالكا أمام الحمار، بينما مشى يهوذا خلفه حاملاً عصاً طويلة. سأل الابن بعد سكوك طويل: “أبي، لماذا نذهب إلى المكان الذي يختاره الرب ولا نذبح الفصح في بيتنا؟ أليس دم الحمل يراق على عتبتنا؟”

توقف مالكا قليلاً، ومسح جبينه المتعرق. نظر إلى ابنه نظرة محبة ممزوجة بجدية المعلم. “اسمع يا يهوذا. حين كنا في البرية، كان كل واحد منا يذبح حيث يقيم. لكن الآن، وقد أعطانا الرب هذه الأرض، وأراحنا من الأعداء من حولنا، فإننا نجمّعه في مكان واحد. لتتذكر أننا أمة واحدة، لا قبائل متنافرة. ولتنظر عيناك إلى الهيكل، فترى مجد الرب، وتتذكر أنه هو الذي أخرجنا من أرض العبودية”.

ساروا طوال النهار، وهم يلتقون في الطريق بجماعات أخرى من الحجاج. رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، وجوه محترقة بالشمس، تعلوها ابتسامة الانتظار. كان البعض يغنّي ترانيم الصعود، وأصواتهم تختلط مع حفيف أشجار السنديان. عند المساء، وصلوا إلى تخوم أورشليم. كانت المدينة تعلو كتاج على رأس الجبال، وأسوارها تبدو في آخر نور الشمس كأنها محاطة بهالة نحاسية.

ناموا تلك الليلة خارج الأسوار، بين خيام كثيرة نصبت على السفوح. كان صوت الشحاذين يتعالى هنا وهناك، ومالكا أعطى أحدهم قطعة نقود، وهو يهمس لابنه: “لا تكن يداك مغلقتين في الأعياد. تذكر أن الرب أعتقك من العبودية، فأعتق غيرك من عوز الفقر”.

في الصباح التالي، دخلوا المدينة. كان الهواء مكتظاً بروائح البخور واللحم المشوي، وأصوات الصلاة والحدادين وتجار السوق. سار يهوذا مبهوراً، عيناه لا تكادان تلحقان بكل ما تراه. لكن أباه أمسك بذراعه بلطف وأرشده نحو ساحات الهيكل. هناك، رأى الولد لأول مرة في حياته مذبح الرب العظيم. رأى الكهنة بلباسهم الأبيض، ورائحة الذبائح تملأ أنفه، وصوت الأبواق يهزّ أعماقه.

قال مالكا وهو يضع يده على كتف ابنه: “انظر يا بني. هذا هو الفصح. هذا هو الحمل الذي يذبح عند الغروب، تذكاراً لتلك الليلة حين مرّ ملاك الرب على بيوتنا وخلّصنا. لا تنسَ هذا المشهد. لا تنسَ أن حرّيتنا اشترت بدم”.

أقاموا في المدينة أيام الفصح السبعة، يأكلون الفطير كما أوصى الناموس. وفي اليوم الأخير، وقف مالكا مع ابنه عند بوابة الهيكل. أعطى الكهنة حمل الفصح، وشاهدا ذبحه. كانت عينا يهوذا مغرورقتين بالدموع، لا من حزن، بل من هيبة ما رأى. في تلك اللحظة، شعر كأن حلقات الزمن تتصل، فما كان مجرد قصة يسمعها من أبيه عند النار، صار أمام عينيه حقيقة ملموسة.

عادوا إلى قريتهم، لكن قلوبهم كانت ممتلئة بشيء جديد. وبعد أسابيع، حين نضج الحصاد، أحصى مالكا سبعة أسابيع من يوم بدء الحصاد، واستعدوا لعيد الأسابيع. جمعت ليئة وأخواتها قمحاً طازجاً، وخبزن منه خبزين. ومرة أخرى صعدت العائلة إلى أورشليم، ولكن هذه المرة بقلوب شاكرة. “لا تظهر أمام الرب فارغاً”، تذكر مالكا الوصية وهو يحمل سلة مليئة بأول ثمار كرمه وتينه.

في الخريف، حين جمعوا الزيتون والعنب من بيادرهم، جاء وقت العيد الثالث، عيد المظال. بنوا مظلة صغيرة من أغصان الأشجار في ساحة دارهم، وأقاموا فيها سبعة أيام. كانت ليئة تضع على المائدة أكواباً من عصير العنب، ويحكي مالكا ليهوذا وأخوته الصغار قصصاً عن آبائهم الذين سكنوا في مظال حين خرجوا من مصر. وكان يختم كلامه دائماً بقوله: “لنتذكر أننا غرباء في هذه الأرض، وأن بيتنا الحقيقي هو حيث يكون الرب”.

مرت السنوات، وكبر يهوذا. وصار له أولاد. وفي إحدى ليالي عيد المظال، بينما كان جالساً مع أبيه الشيخ تحت النجوم التي ترى من خلال فجوات الأغصان، قال له مالكا بصوت خافت كالنسيم: “يا بني، سأتركك قريباً. لكن ذكرى هذه الأعياد، احفظها في قلبك، وعلّمها لأولادك. ليست مجرد عادات، بل هي حياتنا. فيها نعرف من نحن، ومن هو إلهنا. لا تهملها، ولا تجعلها روتيناً بارداً. ففي دم الحمل، وفي أول الحصاد، وفي سكنى المظال، تكمن هويتنا وخلاصنا”.

وتحت تلك النجوم نفسها، التي شاهدت آباءهم في البرية، فهم يهوذا المعنى الحقيقي للكلمات التي كتبها موسى منذ زمن بعيد. ليست طقوساً فارغة، بل لقاء حياً بين شعب وإلهه. لقاء يتجدّد في كل جيل، كالقمح الذي يموت في الأرض ثم يحيا مرة أخرى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *