رأيتُ في اليوم السابع، بعد صمت السّماء الطويل، بحراً من زجاج ممزوجٍ بنار. لم يكن كبحر الأرض، هادراً متلاطماً، بل كان ساكناً كمرآة عظيمة ممدودة على عتبة العرش. لكنّ هذا الزجاج لم يكن بارداً، بل كان يحمل في عمقه وهجاً قانياً كالجمر الذي ينطفيء ببطء. ووقفت على هذا البحر، أو بجواره، أولئك الذين غلبوا. لم أعرف وجوههم جميعاً، لكنّي عرفت في قلبي قصصهم: حجارة رُجمت، وأجسادٌ نُشرت، وأرواحٌ أُريقت من أجل اسمٍ واحد.
كان عددهم كثيراً، لا يُحصى، ولكنّهم وقفوا كجسدٍ واحد. وفي أيديهم قيثارات الله، آلاتٌ من نور لا من خشبٍ ووتر. ثمّ فتحت أفواههم، فخرجت تسبحةٌ لم أسمع مثلها قط. لم تكن كلماتٍ فقط، بل كانت كأنّما خُلجَت من أعماق الكون القديم. غنّوا نشيد موسى عبد الله، ونشيد الخروف. كان الصوت يعلو كموجٍ عظيم، فيملأ الفضاء بين البحيرة النارية والعرش، وينساب كرائحة بخورٍ كثيف.
“عظيمةٌ وعجيبةٌ أعمالك أيّها الرب الإله القادر على كل شيء. عادلةٌ وحقٌّ طرقك يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب، ويمجد اسمك؟ لأنّك وحدك قدوس، لأنّ جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك، لأنّ أحكامك قد أظهرت”.
كانت كلّ كلمة تسقط كقطرةٍ من ذهبٍ منصهر على صدر الزمن، فتحفر أثرها إلى الأبد. وكانت وجوههم، أولئك الغالبين، تشعّ بسلامٍ عجيب. سلام ليس بعدم الألم، بل بما بعد الألم. عيونٌ نظرت إلى أسفل، إلى حيث كانت الأرض، ثمّ رفعت إلى العرش فامتلأت بفرحٍ لا يُنطق به.
ثمّ التفتّ، فإذا الهيكل، خيمة الشهادة في السماء، قد فُتح. وخرج منه السبعة الملائكة الذين مع السبع الضربات الأخيرة، وهم لابسون حُللاً من كتّان نقيّاً مشدوداً على صدورهم بأحزمةٍ من ذهب. كان منظرهُم يُجفل القلب، ليس بالقوّة الظاهرة، بل بالوقار المطلق الذي يلفّهم. وجوههم كالبرق، ولكن برقاً مُسجوناً في طاعةٍ كاملة. وعيونهم ثاقبة، تنظر إلى الأمام فقط، إلى حيث سيكون مسيرهم.
فأتيا واحدٌ من الأربعة الحيوانات، تلك المخلوقات العجيبة المحيطة بالعرش، وكان يشبه الأسد لكن بصوتٍ كهدير مياهٍ كثيرة. وناوله السبعة الملائكة سبعة صحاف من ذهب، مملوّة من غضب الله الحي إلى أبد الآبدين. ولم يكن يد الملائكة ترتجف، ولا كان في عيونهم تردّد. قبضوا على الصحاف كما يقبض الجندي على سلاحه وهو يعرف تماماً ما سيفعل.
فسُبع الهيكل امتلأ دخاناً من مجد الله وقوّته. وكان الدخان كثيفاً، أزرقَ يميل إلى البنفسج، يحمل في ذرّاته رعدة القداسة. فلم يستطع أحدٌ، لا في السماء ولا على الأرض، أن يدخل الهيكل، حتى تكمل ضربات السبعة الملائكة. ذلك المجد كان سدّاً منيعاً، وكان الغضب المقدّس يُعدّ عدّته.
وقف الملائكة على حافة بحر الزجاج المشتعل. ونظرت إلى صحافهم. في كلّ صحنٍ كان الغضب يتحرّك كسائلٍ ثقيل، متلألئٍ وكئيب. لم يكن غضبَ عبثٍ أو انتقامٍ صغير، بل كان دينونة العدل الإلهي الأخيرة، القاضية على كلّ تمرد، والفاتحة لعهدٍ جديد.
وفي تلك اللحظة، قبل أن يتحرّكوا، ساد صمتٌ رهيب. حتى نشيد الغالبين توقّف، وكأنّ الكون كله حبس أنفاسه. كان الصمت نفسه يصيح، وينتظر. كانت نهاية كلّ شيء، وبداية كلّ شيء، معلّقة في تلك الصحاف الذهبية، وفي تلك الأيدي الأمينة التي ستُفيضها على الأرض العطشة للدينونة. وهناك، عند عتبة الأبدية، فهمت أنّ الرحمة طالما انتظرت، والعدالة لا يمكن أن تتأخر أكثر من ذلك.




